مع هرولة الانظمة العربية ووقوفها بالدور على ابواب التطبيع مع إسرائيل يبدو ان منطقة الشرق الاوسط على عتبة مرحلة أكثر بؤسًا واشد خطرًا مما مضى بسبب سياسة الابتزاز والهيمنة الامريكية المعادية لمصالح وطموحات شعوب المنطقة. وبسبب استمرار الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتصعيد جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بتغطية كاملة من الإدارة الامريكية.
الادارة الامريكية بقيادة المبتز ترامب تمكنت، في السنوات الاخيرة، من احباط أي تقدم او تحرك نحو تسوية عادلة للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني او تنفيذ أي قرار دولي يدعم الحق الفلسطيني. وفي المقابل نشرت هذه الإدارة مخططًا لتصفية القضية الفلسطينية أطلق عليه اسم "صفقة القرن" كما اتخذت قرارات تدعم الاحتلال والاستيطان في الضفة المحتلة وتقضي على اية امكانية لتحقيق حل الدولتين.
والغريب في الأمر ان مثل هذه المواقف المنحازة والمنساقة تمامًا مع الاحتلال الاسرائيلي لم تلقَ ردود فعل غاضبة على المستويين الرسمي والشعبي في العالم العربي، واقتصر الامر على اتخاذ جملة من قرارات الإدانة والاستنكار!! وحقيقة استمرار الانظمة العربية التعامل الطبيعي وتعميق التنسيق والتعاون مع الادارة الامريكية تظهر بشكل لا لبس فيه مدى ضحالة هذه القرارات.
التطبيع: استسلام لا سلام
يحاول السمسار ترامب، بكل حزم وانتهازية، تحقيق المزيد من "المكاسب" وان يعلن بكل تبجح عن إهداء هذه المكاسب لزميله العنصري نتنياهو!! ويبدو ان هذه الهدية الامريكية لن تكون الأخيرة، فعلى هذا الطريق تنتظر عدة دول عربية أخرى مثل السودان والبحرين وعُمان وقطر والسعودية وغيرها.
قد نجحت الادارة الامريكية ومعها إسرائيل في ايهام هذه الدول بان العدو الوحيد للعرب هو إيران وليس اسرائيل!! وان مواجهة إيران تحتم تشكيل تحالف عسكري من دول المنطقة تقوده اسرائيل!! لا غرابة ان تنطلي هذه الفرية على انظمة الذل لكن من الغريب ان تقبل الشعوب العربية هذا الادعاء، خاصة وان الجرائم اليومية التي ينفذها الاحتلال الاسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة هي تذكير لكل من يحاول تناسي عدوانية هذا النظام.
كذلك يجب ان لا يغيب عن البال بان التطبيع بمنظور امريكا واسرائيل يستهدف فرض الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الاسرائيلية على دول المنطقة وفي مثل هذا الحال يكون ممكنًا تنفيذ مخطط تصفية القضية الفلسطينية (صفقة القرن).
والمردود الاقتصادي للتطبيع على الدول العربية لن يكون ايجابيًا — والدليل على ذلك مصر والاردن اللتان ترتبطان باتفاقيات سلام مع إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي. فالسودان مثلاً الذي يحاول اليوم شطب اسمه من قائمة دول داعمة الارهاب من خلال المراهنة على التطبيع مع اسرائيل عليه ان يرى حقيقة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في جوبا التي لم تتحسن رغم علاقاتها الجيدة مع امريكا واسرائيل.
المسؤولية على القوى التقدمية
وتبقى قضية محاربة التطبيع هي قضية الشعوب العربية المركزية، وذلك دفاعًا عن الطموحات الوطنية والكرامة والعزة والانتماء والتمرد بكل قوة على ثقافة الاستسلام والمذلة — لأن التطبيع في جوهره استسلام.
ويجب ان نذكر بان جريمة التطبيع لا تتوقف تأثيراتها على جيل اليوم وانما تمتد الى تدجين الأجيال القادمة من خلال البرامج الإعلامية ومناهج التعليم الرسمية المتفق عليها مع اسرائيل. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القوى الوطنية والاحزاب السياسية التقدمية وعلى المؤسسات والجمعيات رفع مستوى التوعية والحراك الوطني ضد هذا التوجه الاستسلامي المذل.
واملنا كبير بالشعوب العربية وقواها السياسية والاجتماعية في مواجهة هذا التحدي الخطير والعمل من أجل سلام حقيقي في المنطقة، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، واحقاق حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة: انهاء الاحتلال وحق العودة وتقرير المصير على أرضه وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.


