التفاوت الاقتصادي والاجتماعي ليس قدراً، وكذلك الثروات ليست مكافآت للمجتهدين، بل هو نتاج سياسات اقتصادية محددة عمدت على تكديس الثروة لدى قلة قليلة على حساب الأغلبية الساحقة المنتجة من المجتمع البشري — هذا ما تؤكده النظرية الماركسية. وترى أن التفاوت ليس ظاهرةً طبيعيةً وهو غير ضروري للمجتمع الإنساني، وأنه نشأ نتيجة تطورات اجتماعية أدت إلى ظهور النظام الطبقي، وأن هذا النظام الطبقي سيزول ليحل محله نظام غير طبقي لأن المجتمع اللاطبقي هو الحالة الإنسانية الطبيعية. وتؤكد الماركسية أن المفارقة الأساسية للنظام الرأسمالي تتمثل في عدم قدرته على الملاءمة بين النمو الاقتصادي وانخراط قوة العمل بشكل واسع في عملية الإنتاج، مع الحفاظ على البيئة واستدامة الموارد.
لقد كشف كارل ماركس عن جوهر التناقض في النظام الرأسمالي، الذي يشكّل نظاماً استقطابياً بامتياز، بالقول: تراكم الثروة في أيدي الأغنياء يقابله تفاقم الفقر لدى الفقراء. وحقيقة أخرى أكدها ماركس هي أن الرأسمالية — أياً كانت صيغتها ومراحل تطورها — ستجرّد الإنسان من إنسانيته. واعتبر الدولة وسيلة نشأت لحماية مصالح الطبقة المالكة، وبهذا المعنى تعمل كأداة للسيطرة على الطبقات أو استغلالها.
وهذا هو التفسير العلمي الصحيح لظاهرة التفاوت، ويتفق مع تفسير الفيلسوف التنويري الفرنسي جان جاك روسو الذي سبق ماركس إذ قال: التفاوت لم ينشأ من الطبيعة بل من اختيارات بشرية، وهذا يعني أنه يمكن إعادة تغييره بإرادة بشرية أيضاً. ويرى روسو أن التفاوت هو نتيجة مباشرة للملكية الفردية وظهور المنافسة الأنانية والرغبة في التفوق، وأن القوانين والمؤسسات ظهرت ليس لحماية الجميع بل لحماية ممتلكات أصحاب النفوذ. والدولة أمست أداة لترسيخ الفوارق لا لتجاوزها وهكذا أصبح التفاوت نظاماً له شرعيته. ويتساءل روسو: هل هذا التقدم جعلنا أفضل أم أضعف إحساسنا بالآخر وعمّق الأنانية والتنافس؟ ويجيب: الإنسان فقد استقلاله الداخلي عندما أصبحت قيمته تقاس في عيون الآخرين لا في ذاته.
ما غنيَ غنيٌّ إلا على جوع فقير — علي بن أبي طالب
عندما نتكلم عن المجتمع الطبقي والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي فإننا نتحدث عن جزء بسيط جداً من الحياة البشرية على الأرض، فالجزء الأعظم من الحياة البشرية لم يعرف الطبقات والاستغلال والتفاوت ولم تكن هناك ملكية ولا سلطة وكذلك لم يكن هناك ظلم لأن الدافع الأساسي كان آنذاك البقاء.
أما ما يُشاع من أفكار بأن التفاوت الاجتماعي يجد جذوره في تفاوت مواهب الأفراد أو كفاءاتهم، وأن انقسام المجتمع إلى طبقات هو نتاج "أنانية الإنسان الغريزية"، فهي أفكار لا أساس علمي لها. وتفنيداً لهذه التبريرات تؤكد الماركسية أن اضطهاد طبقة اجتماعية لطبقة أخرى ليس نتاج الطبيعة الإنسانية بل هو نتاج تطور تاريخي للمجتمع، وأن ظهور الطبقات ارتبط بشكل وثيق بإنتاج الفائض.
تطلعنا عالمة الأناسة (الأنثروبولوجيا) مارغريت ميد عن تقاليد شعب آرابيش في غينيا الجديدة وتقول: بعد جمع المحاصيل كان من يجمع محصولاً فوق المتوسط يدعو عائلات بكاملها وجميع الجيران إلى احتفالات تستمر حتى استهلاك القسم الأعظم من فائض المحصول وذلك تجنباً لمراكمة الثروات.
أما القديس برنابا فكان ينهى عن التكلم مطلقاً عن ملكيتك الخاصة، ويقول: إذا كنت تنعم بثرواتك الروحية بالمشاع فحريٌّ أن تنعم بثرواتك المادية بالمشاع. وكان القديس قبريانوس يدعو إلى تقاسم الثروات بالتساوي بين الجميع. والقديس يوحنا (فم الذهب) هو أول من صاح "الملكية هي السرقة". وألقى القديس أوغسطينوس مسؤولية العنف والصراعات الاجتماعية على الملكية الخاصة.
قبل أكثر من 80 ألف عام حصلت الوثبة الكبرى الأولى في المجتمع البشري إذ استبدل الإنسان الصرخات غير المفهومة بالكلمات. وبعد ذلك بأكثر من 70 ألف عام حصلت الوثبة الكبرى الثانية وهي زراعة الأرض. قدرة البشر على التكلم وإنتاج الطعام أوجدت ما نسميه اقتصاداً. والدافع الوحيد لتعلم الزراعة هو الجوع. وبالتجارب والملاحظة تطورت على مدار مئات آلاف السنين كفاءة البشر في الزراعة من خلال تطوير وسائل الإنتاج، وهذا ما أوجد للمرة الأولى العنصر الأساسي للاقتصاد الحقيقي — الفائض.
إنتاج الفائض الزراعي أدى إلى انقسام في المجتمع وتفرّغ فئة من البشر من العمل اليدوي إلى العمل الذهني، مما أسهم في ظهور الكتابة والحرف البسيطة والنقود والدين ورجال الدين والدول والجيوش وحتى أول أشكال الحروب.
أما المجموعات البشرية التي اعتمدت على جمع الثمار والصيد فإنها كانت غير قادرة على إنتاج فائض، ولذلك لم تشهد مثل هذا الانقسام وإنما نمّت مواهبها في مجالات الموسيقى والرقص والفنون. وكان عندما يُسأل أحد أفراد هذه الجماعات لماذا تعمل، كان يجيب: لكي أرقص.
إنتاج الفائض والانقسام الاجتماعي أديا إلى زوال نظام المشاعية البدائية الذي دام مئات آلاف السنين والانتقال إلى مجتمع طبقي — نظام العبودية — المكوّن من أسياد يملكون الأرض وما عليها من عبيد يقومون بعملية الإنتاج مقابل لقمة العيش، بينما مردود عملهم يذهب بالكامل إلى الأسياد.
تطور الحرف البسيطة أسهم في تطوير أدوات العمل المستخدمة في الزراعة وهذا مهّد إلى زيادة اتساع المزارع وزيادة فائض الإنتاج مما فاقم الصراع بين الأسياد على الأرض. وزاد من تفاقم التناقضات العدائية بين الأسياد والعبيد، التي تجلّت في تمرد وثورات العبيد في العديد من المناطق في العالم، أبرزها في روما القديمة بقيادة سبارتاكوس.
تطور الفكر القومي في أوروبا أسّس لقيام دول أسهمت في زوال نظام الإقطاع وحكم الكنيسة، وانسجم هذا مع استمرار تطور الصناعة والبحث عن أسواق جديدة ومصادر للمواد الخام من خلال إيجاد مستعمرات جديدة حول العالم. وهكذا اكتملت كل الشروط ليتحول النظام الرأسمالي إلى نظام عالمي يسيطر على أوروبا وعلى كل المستعمرات الأوروبية في مختلف قارات العالم.
إن سعي الدول الرأسمالية إلى تحقيق المزيد من الأرباح أجّج المنافسة بينها على توسيع رقعة سيطرتها الكولونيالية على نطاق العالم إلى حد أن هذه المنافسة تدهورت في بعض الأحيان إلى حروب إقليمية طاحنة. كما أسّست هذه المنافسة لنشوب الحربين الكونيتين اللتين أودتا بأرواح عشرات ملايين بني البشر وألحقتا دماراً هائلاً وغير مسبوق بالاقتصاد العالمي.


