البيض يزدادون ثراءً والملونون يحصدون الفقر
تشير دراسة لمعهد بروكينغز للدراسات في واشنطن إلى الفوارق الضخمة في النفوذ السياسي وتوزيع الثروة في الولايات المتحدة. وتقول بيانات المعهد إن ثروة العائلات البيضاء تساوي 10 أضعاف ثروة العائلات المنحدرة من أصول أفريقية.
وتقدّر الدراسة صافي حجم ثروة الأمريكي الأبيض بحوالي 171 ألف دولار، بينما تقدّر ثروة نظيره من أصول أفريقية بحوالي 17.1 ألف دولار. وترى الدراسة أن ذلك يعكس حجم الفوارق المتزايدة بين المجتمعات من أصول أفريقية والبيضاء المتراكمة منذ عقود، بسبب العنصرية والتمييز في النفوذ السياسي والتعليم والفرص الوظيفية المبنية على اللون في أمريكا.
وحسب الدراسة، خلال سنوات أزمة المال العالمية في 2008 وما تلاها من ركود اقتصادي بين أعوام 2007 و2013، تراجعت الدخول الصافية للعائلات من أصول أفريقية بنسبة 44.3%، بينما تراجعت دخول العائلات البيضاء بنسبة 26%.
التفاوت في المداخيل والحرمان الشامل الذي تعانيه الجماعات المستضعفة من أصول أفريقية والسكان الأصليين (الهنود الحمر) والأمريكيين اللاتينيين، يترافق مع حرمان من الحقوق المدنية، ومستويات خطيرة من التعرض لنفايات صناعية، إضافة إلى التشرد وممارسات الإخضاع العنيفة للسلطات المحلية.
ووفقاً للطبيب النفسي البروفيسور نيفزت تارهان: "الجميع ضد العنصرية البيولوجية ولكنهم يوافقون بصمت على العنصرية الاقتصادية. لأن هناك مصلحة وراء ذلك. يكفي القول إن مواطناً أمريكياً واحداً يستهلك خمسة أضعاف ما يستهلكه أي مواطن آخر في العالم". ويضيف تارهان: "إذا لم يتم القضاء على عدم المساواة في الدخل، فإن الأزمة ستنفجر من شرارة صغيرة".
وخلصت دراسة طويلة الأجل لباحثين من جامعتَي برينستون وبون إلى أن فجوة الثروة العرقية تشكّل أكبر الفوارق الاقتصادية بين الأمريكيين من أصول أفريقية وبين البيض، حيث تبلغ نسبة ثروة الفرد من البيض 6 أضعاف ثروة الأمريكي من أصول أفريقية. وفي عام 2021 كان 19.5% من المواطنين من أصول أفريقية يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ 8.2% من البيض.
ما تعانيه الأسر ذات الأصول الأفريقية واللاتينيين والهنود الحمر في الولايات المتحدة من فقر طاحن يتسبب بموجات تفشي الأمراض على غرار ما يجري في البلدان الأقل نمواً في العالم. فمتوسط العمر المتوقع للمنحدرين من هذه المجموعات أقل بواقع خمس سنوات تقريباً من متوسط العمر المتوقع للبيض، ومعدل وفيات الأمهات أعلى من المعدل لدى البيض بما يقرب من ثلاث مرات.
وهذا الأمر حمل لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري في تقرير لها في أيلول 2022 على التأكيد أن الموروثات المتبقية من الاستعمار والعبودية لا تزال تغذي العنصرية والتمييز العنصري في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
مظاهر تراجع مكانة أمريكا
عربدات ترامب وتهديداته المتواصلة بالقوة الغاشمة وشعاره "أمريكا أولاً"، في الوقت الذي تشهد فيه أمريكا تراجعاً في مكانتها الاقتصادية عالمياً والاتساع غير المسبوق لقاعدة العداء لها على مستوى العالم، تصب الزيت على النار التي تحاصر الهيمنة الأمريكية وتعمل على تسريع التحالفات الدولية المعادية لأمريكا وسطوتها.
فالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي الوحشي على إيران، والذي يفتقد إلى الشرعية ويهدد السلم والاقتصاد العالميين، وكذلك مغامرة ترامب في فنزويلا وخطف رئيسها المنتخب نيكولاس مادورو، وتصريحاته العنجهية بشأن غزة وكأنها ملكيته الخاصة وعزمه تحويلها إلى ريفيرا، ومطالبته بضم جرينلاند وكندا — كل ذلك صدم وأذهل دول العالم وسيفاقم منسوب العداء للولايات المتحدة.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية للمهاجرين في المناطق الحدودية حيث يتعرضون للتعذيب والمعاملة غير الإنسانية وحتى القتل. لقد قتلت مليشيات وكالة الهجرة والجمارك "آيس" 32 أمريكياً في العام 2025 وستة آخرين منذ بداية 2026.
وهناك مؤشرات تدل على تدني الأداء في المجتمع الأمريكي؛ إذ إن معدل الجريمة في الولايات المتحدة هو الأعلى في العالم. وتنشط على الساحة الأمريكية عشرات التنظيمات الانفصالية ويطالب 21% من الأمريكيين بانفصال ولاياتهم وتأسيس جمهوريات منفصلة.
يقول الكاتب الأمريكي التقدمي فرانك براوننغ في كتابه "الجريمة على الطريقة الأمريكية": "تاريخ الجريمة في الولايات المتحدة ليس بمعزل عن التاريخ الأمريكي. فالجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق شعوب الأرض انما هي حالة منظمة دأب صناع القرار على تجذيرها في المجتمع الأمريكي وصولاً إلى تحقيق الرعب لدى شعوب العالم لفرض السيطرة الكاملة عليها."
وملخص القول لقد سقطت الولايات المتحدة، التي تأسست على الاستعمار والعبودية والعنصرية، بصورة أكبر في مستنقع الفشل والعجز في الحكم والانقسام العرقي والاضطرابات الاجتماعية في ظل نظام توزيع اقتصادي مستقطب. لكن يبدو من الطبيعي أن النظام الذي تأسس على الظلم لا يمكنه أن يكون عادلاً، والنظام الذي تأسس على العنصرية لا يمكنه أن يكون ديمقراطياً.


