التفاوت في المجتمع في نظر الماركسية هو تفاوت بين الطبقات، بين من يملكون أدوات الإنتاج — الأرض والمصانع — وبين طبقة من لا يملكون شيئاً سوى قوة العمل ويضطرون إلى بيعها لتأمين لقمة العيش وشروط البقاء وهم الأغلبية الساحقة من المجتمع. والدولة ومؤسساتها وقوانينها تحمي واقع الإجحاف والظلم هذا. فمنذ انقسام المجتمع البشري إلى طبقات وحتى يومنا هذا، لا يزال يساور الأكثرية الساحقة من البشر الطموح لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حياة كريمة على الأرض تليق بالإنسان، وحتى يومنا هذا لم يتحقق هذا الطموح، وإنما على عكس ذلك تفاقم الإجحاف وعدم المساواة إلى مستويات تهدد الاستقرار في هذا العالم بشكل غير مسبوق.

والعدالة الاجتماعية، حسب منظمة الأمم المتحدة، هي المساواة في الحقوق بين جميع الشعوب، وإتاحة الفرصة لجميع البشر من دون تمييز للاستفادة من التقدم الاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء العالم. وهي تتحقق فقط في عالم خالٍ من الفقر والجوع والمرض، عالم لا تحكمه الحروب والنزاعات المرتكزة على مصالح ضيقة سواء للدول أو للأشخاص، عالم تسوده المساواة بين جميع شعوبه بغض النظر عن الجنس أو السن أو العرق أو الانتماء الإثني أو الدين أو الثقافة أو العجز.

والمؤسف أن غالبية شعوب العالم تعاني اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي من انعدام أدنى شروط العدالة الاجتماعية، بسبب سياسة الابتزاز والهيمنة الإمبريالية وأطماع هذه الدول في نهب خيرات تلك الشعوب، بالإضافة إلى تنصيب حكومات مستبدة وعميلة للإمبريالية تساعدها في تحقيق ذلك. هذا عدا عن الأزمات المالية والاقتصادية التي تمر بها الرأسمالية بين حين وآخر والتي تنعكس على البلدان والشعوب الفقيرة بحروب متنوعة تحت ذرائع وأسباب شتى تصب جميعها في خانة المصالح الإمبريالية المسيطرة على العالم. فالرأسمالية، في مرحلتها المعولمة، لا تنتج الثروة فحسب، بل تنتج أشكالاً جديدة من التوحش والاستغلال، وتوسّع منطق التسليع ليشمل الإنسان ذاته.

ويتجلى هذا التوحش الإمبريالي في أبهى صوره في الحروب العدوانية التي لم تهدأ منذ أكثر من عقد ونصف، رغم أنها أودت بحياة مئات الألوف من بني البشر وبتشريد الملايين ونزوحهم وجوعهم وافتقادهم لأدنى شروط الحياة الإنسانية. إضافة إلى استشراء الفساد الذي يُعدّ أحد أعمدة سيادة الفقر والبطالة والجوع في تلك البلدان، مما جعل الهوة كبيرة بين قلة حاكمة تستأثر بالغنائم والخيرات وغالبية ساحقة تعيش ظروفاً لا تليق بالإنسان.

ومن أبشع مظاهر سياسة الهيمنة والابتزاز الإمبريالية التفاوت في الدخل والثروة داخل كل بلد وفيما بين الدول المتقدمة والنامية، الذي لا يأخذ بالاعتبار القيم الإنسانية مثل الإنصاف والعدالة أو الأبعاد الاجتماعية الخطيرة التي قد تؤول إليها من انعدام فرص المساواة في العمل والتعليم والخدمات الصحية. فمثل هذه العدالة المنشودة لن تتحقق مطلقاً في مجتمع تحكمه قوانين بالية همّها الوحيد حماية نظام الاستغلال والابتزاز.

لقد رصد تقرير لمنظمة "أوكسفام" لمكافحة الفقر، نُشر تزامناً مع اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ارتفاعَ ثروات أغنياء العالم من 405 مليارات دولار في العام 2020 إلى 869 مليار دولار في العام الماضي. في المقابل أصبح نحو خمسة مليارات شخص في كل أنحاء العالم أكثر فقراً منذ العام المذكور.

وأوضحت المنظمة في تقريرها أن المليارديرات أصبحوا أكثر ثراءً بمقدار 3.3 مليار دولار عما كانوا عليه في العام 2020، وذلك رغم الأزمات العديدة التي أثّرت على اقتصاد العالم منذ بداية هذا العقد وبينها جائحة كورونا.

وأفادت المنظمة بأن أغنى 12 مليارديراً يمتلكون ثروة تفوق ما يملكه نصف سكان العالم الأفقر أي ما يقارب 4 مليارات نسمة، مشيرةً إلى أن عدد المليارديرات في العالم تجاوز خلال العام الماضي 3 آلاف ملياردير لأول مرة بثروة إجمالية 18.3 تريليون دولار، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السنوات الخمس السابقة، بينما تباطأ انخفاض معدلات الفقر منذ جائحة 2020.

وعبّرت "أوكسفام" عن مخاوف بشأن زيادة عدم المساواة في العالم، حيث يجمع أغنى الأفراد والشركات ثروات أكبر بفضل ارتفاع أسعار الأسهم، كما يكسبون المزيد من القوة. وأضافت المنظمة أن هذه القوة تُستخدم "من خلال الضغط على العمال، وإثراء المساهمين الأثرياء، والتهرب من الضرائب، وخصخصة الدولة"، متهمةً الشركات الكبرى بمفاقمة "عدم المساواة من خلال شن حرب مستدامة ومؤثرة جداً على الضرائب"، مع عواقب بعيدة المدى.

ويوضح التقرير كيف وصلت ثروات أصحاب المليارات إلى أعلى مستوى في التاريخ بعد أن ارتفعت بأكثر من 16% خلال عام 2025 لتبلغ 18.3 تريليون دولار، وبوتيرة تفوق ثلاثة أضعاف متوسط نموها خلال السنوات الخمس السابقة. وفي حين لا يحصل ربع البشر على ما يكفي من الغذاء بشكل منتظم، يعيش ما يقرب من نصف سكان العالم في حالة فقر.

ويحذّر التقرير من أن تراكم الثروة بهذا الشكل لا يفاقم اللامساواة الاقتصادية فحسب، بل يهدد أيضاً الحريات والحقوق والمساحات المدنية عبر تعزيز نفوذ فاحشي الثراء على السياسات العامة ووسائل الإعلام. ويدعو التقرير الحكومات إلى خطط وطنية محددة زمنياً للحد من اللامساواة، وفرض ضرائب فاعلة على فاحشي الثراء، وتعزيز استقلالية الإعلام وحماية الحريات المدنية.

وكشفت "أوكسفام" عن أن كبار الأثرياء حول العالم يخفون نحو 3.55 تريليونات دولار من ثرواتهم عن السلطات الضريبية، داعيةً إلى فرض ضرائب على الثروات وسد الثغرات القانونية. وبحسب التقديرات فإن نحو 80% من هذه الأموال غير الخاضعة للضرائب يملكها أغنى 0.1% من سكان العالم، ما يعادل ثروة تقارب ما يمتلكه نصف سكان العالم الأقل دخلاً.

أما الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغلتز، أحد أبرز منظري الرأسمالية على المستوى الاقتصادي ومن الحائزين على جائزة نوبل، فقد حذّر من أن ظاهرة التفاوت الاجتماعي يجب أن تُعالج، مؤكداً أن تمركز الثروة في يد حفنة قليلة من الأثرياء يؤثر على بنية النظام الرأسمالي ومدى قدرته على البقاء. فالأثرياء أصبحوا متحكمين بالنظام السياسي ليعمل وفقاً لمصالحهم، وعلى النظام السياسي أن يتحرر من هيمنة الأثرياء ليستطيع إنقاذ المهمشين وإلا فقد النظام السياسي مصداقيته وانهار.

يبدو أن ستيغلتز يعي تماماً أن النظام الرأسمالي لا يمكنه أن يُلغي التفاوت الطبقي لأن هذا التفاوت أحد الركائز الأساسية لهذا النظام. فالحقيقة هي أن التفاوت الطبقي لا يمكن إلغاؤه إلا في حالة واحدة ألا وهي الإطاحة بالنظام الرأسمالي برمته.

ويرى الاقتصادي اليساري الفرنسي توماس بيكيتي أن اتساع الفجوة بين الأغنياء من جهة ومتوسطي الدخل والفقراء من جهة أخرى سيمضي في الاتساع مستقبلاً. ويبرهن على ذلك بالقول إن عائدات الفوائد على الرأسمال المالي هي 4 أو 5% في أقل تقدير، فيما يتراوح النمو الاقتصادي في معظم الدول الغربية بين 1 و2%، ما يعني أن أصحاب الأموال يجنون من فوائدها نسباً أكبر من نسب النمو الاقتصادي العام، مما يعني ازدياد ثرواتهم أكثر من أقرانهم في الطبقات الأخرى، ما يؤدي إلى اتساع الهوة بين الطبقتين. ويعتبر بيكيتي أنه كلما عاد المال بريع أكبر على أصحابه من عائدات العمل، كان للمال تأثير أكبر في السياسة والقرارات الحكومية. (يتبع)