كل يوم، يمضي الإنسان المعاصر متوسط سبع ساعات أمام شاشاته الرقمية. يقرأ رسائل وتغريدات ومقاطع فيديو وتعليقات ومنشورات. وإذا كانت القراءة بمفهومها التقني هي فك رموز النصوص المكتوبة، فإن هذا الإنسان يُعدّ من أكثر القراء في التاريخ نشاطاً وإنتاجية. ومع ذلك، تُشير الدراسات إلى أن القراءة العميقة في خطر.

ثمة فرق جوهري بين قراءة تغريدة وقراءة رواية. ليس الفرق في العمق فحسب، بل في نوع التجربة الذهنية بأكملها. القراءة العميقة، كما تصفها الباحثة ماريان وولف، تتطلب ما تسميه "الدماغ القارئ"، وهو نشاط عصبي بالغ الخصوصية يُتيح للقارئ التعاطف والنقد والتأمل وبناء المعنى. هذا النشاط يختلف اختلافاً جذرياً عن المسح السريع الذي نمارسه على وسائل التواصل.

في العالم العربي، المشهد مُقلق بشكل خاص. وفقاً لتقرير المعرفة العربي، يقرأ المواطن العربي بالمتوسط ستة دقائق في اليوم مقابل ساعتين للمواطن الأوروبي. حتى لو شككنا في هذه الأرقام واعتبرناها مبالغاً فيها، فإن الفجوة واضحة وكبيرة وتستحق التأمل الجدي.

لكن هل الرقمنة هي المتهم الوحيد؟ يرى بعض الباحثين أن مشكلة القراءة في العالم العربي أعمق من ذلك وأقدم. فالقراءة الترفيهية لم تكن يوماً ثقافة سائدة في كثير من المجتمعات العربية، وكان الكتاب دائماً مرتبطاً بالدراسة والحفظ والتلقين لا بالمتعة والاكتشاف. وهذه الإشكالية البنيوية لا يمكن تحميلها للهاتف الذكي وحده.

الناشرون العرب يُحاولون التكيف مع الواقع الجديد. الكتاب الإلكتروني نما بشكل ملحوظ، وظهرت تطبيقات للقراءة العربية تُقدم محتوى مدفوع وملخصات سريعة للكتب. وبعض الناشرين يُراهنون على "الكتاب القصير" كجنس أدبي مناسب لعصر قصار الانتباه. لكن هل هذه حلول أم هروب من المشكلة؟

يبقى الأمل في جيل جديد من القراء العرب ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها: مدونو الكتب، ومجموعات القراءة، والمؤثرون الذين يُروّجون للقراءة بحرارة وأسلوب ذكي يخاطب أبناء جيلهم. هؤلاء يُثبتون أن المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، بل في كيفية استخدامها.

في نهاية المطاف، القراءة العميقة ليست ترفاً ثقافياً، بل هي أداة بقاء حضاري. الأمم التي تقرأ هي الأمم التي تُفكر وتُبدع وتُقرر بشكل أكثر حكمة. وإذا كان ثمن دقائق الترفيه على الشاشة هو ضمور قدرتنا على القراءة العميقة، فنحن ندفع ثمناً باهظاً لا ندرك قيمته إلا حين يفوت الأوان.