ضعف مقلق في سوق العمل

أفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بأن سوق العمل يُظهر علامات ضعف مُقلقة تُعتبر بمثابة تحذير واضح من ركود اقتصادي محتمل. في تشرين الثاني الماضي بلغ معدل البطالة 4.6%، وهو أعلى مستوى له في السنوات الأربع الماضية. ومما يثير القلق بشكل خاص أنه لم يتم خلق سوى 22 ألف وظيفة جديدة في آب الماضي، أي أقل من ثلث العدد المتوقع البالغ 75 ألف وظيفة.

وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تحليل لها للوضع الاقتصادي بعد سنة من ولاية ترامب الثانية، إن عدم اليقين الاقتصادي والتجاري أدى إلى تردد بعض الشركات في توظيف المزيد من العمال. وتقوم بعض شركات التكنولوجيا بعكس طفرة التوظيف التي أعقبت جائحة كورونا عن طريق خفض أعداد الموظفين، كما أن حملة ترامب الصارمة على الهجرة أدت إلى انخفاض عدد الأجانب المتاحين للتوظيف.

كما أفادت إحصاءات أمريكية رسمية بتدهور وضع المبتدئين في العمل بشكل كبير وتراجع فرص العمل لخريجي المدارس والجامعات. في نيسان 2025 كان هناك متقدم واحد فقط لكل وظيفة جديدة، بينما كان المعدل 0.6 قبل عامين. كما انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 62.2% في تموز 2025، وهو أدنى مستوى منذ تشرين الثاني 2022، مما يشير إلى أن أعداداً متزايدة من الناس يغادرون سوق العمل بالكامل بسبب نقص فرص العمل أو الإحباط.

بنية تحتية مهترئة

بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية الحادة، تعاني الولايات المتحدة من مشاكل هيكلية خطيرة تهدد قدرتها التنافسية على المدى الطويل. البنية التحتية للبلاد في حالة تدهور مستمر. وحسب تقرير غرفة المهندسين المدنيين الأمريكيين فإن درجة الولايات المتحدة لا تتعدى "D+".

ويشير التقرير إلى أن شبكة الكهرباء — التي تأسست عام 1880 — تعاني من مشاكل مختلفة منذ زمن طويل، وأن انقطاع التيار ارتفع من 76 انقطاعاً عام 2007 إلى 2800 مرة عام 2012. وحسب التقرير فإن العمر المتوسط لأكثر من 600 ألف جسر في البلاد هو 42 عاماً، بينما 10% من الجسور يعاني من خلل ما. وخلال الـ 15 عاماً الماضية انهار 17 جسراً في الولايات المتحدة ولقي أكثر من 40 أمريكياً حتفهم في هذه الكوارث.

60 ألف جسر بحاجة ماسة للإصلاح، و43% من طرق البلاد في حالة سيئة أو متوسطة. وتخسر أمريكا ما يقارب تريليون دولار على مدى السنوات الثماني المقبلة بسبب الازدحام والتحويلات المرورية. أما شبكة المياه فإن حوالي 240 ألف انفجار تقريباً في كل عام يصيب خطوط نقل المياه الأساسية.

25 مليون أمريكي بدون تأمين صحي

نظام الرعاية الصحية يشكّل عبئاً هيكلياً آخر. تنفق الولايات المتحدة ما معدله 12,500 دولار للفرد سنوياً على الرعاية الصحية، بينما تنفق ألمانيا أقل من نصف هذا المبلغ. ورغم هذه النفقات الباهظة فإن متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة أقل ومعدل وفيات الرضع أعلى منه في ألمانيا. 25 مليون أمريكي لا يتمتعون بأي تأمين صحي على الإطلاق، بينما يُعتبر عدد مماثل منهم غير مشمولين بالتأمين الكافي.

1.5 تريليون دولار ديون الطلاب

يواجه التعليم في الولايات المتحدة أزمة تتجلى بشكل رئيسي في تفاقم ديون قروض الطلاب. حالياً يسدد 44 مليون أمريكي قروضهم الطلابية، وخمسة ملايين منهم متخلفون عن السداد بالفعل. ويبلغ إجمالي ديون الطلاب المستحقة 1.5 تريليون دولار، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لكندا. تبلغ ديون خريج الجامعة بالمتوسط 35,051 دولاراً، أما بالنسبة للجامعات الخاصة المرموقة وشهادات الدكتوراه فقد يرتفع هذا المبلغ إلى أكثر من ربع مليون دولار.

771,480 عدد المشردين

يمر سوق العقارات الأمريكي بوضع صعب نتيجة عوامل متعددة. فقد وصلت القدرة على تحمل تكاليف السكن إلى أدنى مستوياتها التاريخية. منذ العام 1999 ارتفعت الإيجارات بنسبة 135%، بينما لم ترتفع الدخول إلا بنسبة 77% خلال الفترة نفسها. نقص المساكن المتاحة يزيد عن ثلاثة ملايين وحدة سكنية، ويقدر عدد المشردين بـ 771,480 شخصاً بسبب أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة. ولا يزال حوالي 45% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يعيشون مع والديهم — وهو أعلى رقم منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.

47 مليون أمريكي جياع

تواجه الولايات المتحدة أعلى معدلات جوع منذ 10 سنوات. وتظهر بيانات وزارة الزراعة الأمريكية ومنظمة "إطعام أمريكا" أن 47 مليون أمريكي، بينهم 13 مليون طفل، يعانون من انعدام الأمن الغذائي سنوياً. وتصنّف اليونيسف الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بعد المكسيك على مقياس "الفقر النسبي للأطفال" عند مقارنتها بـ 35 دولة من أغنى دول العالم.

وكانت إدارة ترامب قد ألغت المسح السنوي الذي تجريه وزارة الزراعة الأمريكية لجمع بيانات الجوع وانعدام الأمن الغذائي. وقالت كولين هيفلين الأستاذة في جامعة سيراكيوز: "غياب هذا المؤشر في عام 2025 يبعث على القلق الشديد، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتدهور أوضاع سوق العمل".

المفارقة الصارخة هنا أن الدولة الأكبر في العالم، بميزانية حرب تبلغ 851.7 مليار دولار للعام 2025، تبدو غير مكترثة بجوع الملايين من مواطنيها، في حين قدّمت لإسرائيل مساعدات عسكرية لا تقل عن 21.7 مليار دولار منذ بدء حرب الإبادة على غزة، فضلاً عن المساعدة السنوية المقررة بأكثر من 3 مليارات دولار.

وربما لكل ذلك نرى المزيد من الأصوات في الولايات المتحدة، حتى من بين مؤيدي ترامب وتياره، تزداد ارتفاعاً للمطالبة بمراجعة الخيارات الوطنية الكبرى. (يتبع)