يواجه مجتمعنا البشري والكوكب الذي نعيش عليه تحديات مستعصية ومصيرية، غير مسبوقة في ظروف خطيرة جدًا. التوتر الدولي على أعلى مستويات من الخطورة وفي تصاعدٍ متواصلٍ. ورقعة النزاعات العسكرية في اتساعٍ متزايد. وسياسة العربدة والهيمنة الامبريالية تزداد عدوانية وشراسة وتدميرًا. والمرعب في الامر ان هذا التدهور الجارف يجري في ظل سيطرة قوى اليمين المتطرف على مقاليد الحكم في الولايات المتحدة وفي عدد من الدول الاوروبية، حيث تتكدس هناك كميات هائلة من الأسلحة الحديثة وفائقة الدقة وذات القوة التدميرية المرعبة، إضافة الى اتساع رقعة انتشار أسلحة الدمار الشامل في معظم قارات العالم.

وتزامن هذا التدهور مع تفاقم التناقضات العدائية في داخل كل دولة وبين مجموعات مختلفة من الدول وبين الدول نفسها على مستوى العالم، بما ينذر بتفاقم المخاطر ويعقد إمكانية التوصل الى حلول سياسية مما يضع كوكب الارض والحياة عليه على كف عفريت.

والحقيقة الصارخة هي ان كل ما يهم معظم قادة هذا العالم المتغطرسين والمبتزين هو جني المزيد من الارباح والهيمنة على الاسواق العالمية والاستمرار في نهب خيرات الكون وابتزاز شعوبه، غير آبهين بالمصير المشؤوم للحياة على الارض وضاربين بعرض الحائط كل الشرائع والمواثيق الدولية وقرارات المؤسسات الدولية التي انشئت بعد الحرب العالمية الثانية.

وطمسًا لهذه الحقيقة المرة يتستر هؤلاء القادة المأزومين بشعارات زائفة مثل "التنمية والازدهار" ونشر "الديمقراطية" و"الدفاع عن حقوق الانسان" ومحاربة "الارهاب". كل هذه الشعارات انكشفت على حقيقتها بشكل سافرٍ، في حرب الابادة على غزة والحروب العدوانية على لبنان وإيران وسوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن وافغانستان، وفي الحربين الكونيتين وفي الحروب التي شهدتها منطقة جنوب شرق اسيا. هذا بالإضافة الى التدخلات العسكرية المتكررة والتهديدات الوقحة لعشرات الدول حول العالم التي اختارت أنظمة حكم لا تروق لأولئك القادة المراوغين. وفنزويلا، اليوم، أوضح مثالٍ على ذلك.

كما تندرج في هذا السياق الأنشطة التآمرية الخسيسة لوكالات مخابرات هذه الدول وعلى رأسها الـ"سي.اي.ايه." الامريكية، التي لم تتوقف للحظة على مدار عشرات السنين. وكذلك التصريحات العنجهية شبه اليومية لهؤلاء القادة وفي مقدمة مثل هذه التصريحات شعار ترامب في معركته الانتخابية الاخيرة "امريكا اولا" (كان هذا ذات مرة شعار هتلر النازي — المانيا اولًا)!! وكذلك تهديداته اليومية بالتسلط على هذا البلد او تلك الجزيرة او تلك المنطقة من العالم وكذلك فرض المزيد من الرسوم الجمركية العشوائية على بضائع عشرات الدول حول العالم، دون مبالاة للعواقب الوخيمة الاقتصادية والاجتماعية على دول وشعوب العالم.

وعندما نقول رسوما عشوائية فإننا نستند الى القرار الذي خلصت اليه المحكمة العليا الامريكية نفسها يوم 20 شباط 2026 بعدم شرعية هذه الرسوم وان الكونغرس الامريكي هو صاحب الصلاحية في ذلك وليس الرئيس.

يبدو اننا نقترب كثيرًا من نقطة نهاية نظام الابتزاز وعدم المساواة والتدمير المتواصل لكوكب الارض خدمة لقلة قليلة من البشر على حساب الاكثرية الساحقة المنتجة لكل الخيرات التي ينعم بها عالمنا اليوم. يبدو ان الخيار الوحيد امام البشرية اليوم هو اما ضمان الحياة الكريمة الآمنة للبشر على الارض او مواصلة التدهور السريع نحو الكارثة المحتومة.

ويبرز في مقدمة هذه التحديات، اليوم، المحاولات المستميتة للسيطرة والهيمنة الاستعمارية لقادة فقدوا كل حس انساني، وكشفوا بما لا يدع مجالاً للشك عن استعداد لا نهاية له للتورط في أي مجزرة بشرية وفي أي عمل وحشي في سبيل تعزيز هيمنتهم وسرقة ثروات الشعوب والدول.