الاتحاد الأوروبي تحالف يضم 27 دولة أوروبية، تأسس في الاول من تشرين الثاني 1993 بموجب معاهدة ماستريخت الموقعة عام 1991. ومن أهم مبادئه نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية. ويبلغ عدد سكانه 450 مليون نسمة ويشكلون 5.8% من سكان العالم. و19 دولة من هذه الدول تستخدم اليورو كعملة رسمية وتسمى "منطقة اليورو" ويسكنها 351.38 مليون انسان.

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا الاتحاد بعد سنوات طويلة من الحروب الطاحنة والمدمرة بين مختلف هذه الدول والتي راح ضحيتها أكثر من 100 مليون انسان!! اهو جنوحًا نحو السلام بعد كل تلك المآسي والدمار الذي خلفته هذه الحروب؟ ام ان هناك دوافع ومحفزات اخرى؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات وهل هو في مصلحة شعوب اوروبا؟

شهدت اوروبا، على مدى القرنين الماضيين، الثورة الصناعية التي غيرت وجه العالم. إضافة الى النهضة الفكرية التي أطاحت بأنظمة الظلم والاستبداد في القارة. وبدأت تتحول دول اوروبا الى مراكزٍ للنمو والابتكار في العالم.

ففي العام 2022 بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أوروبا الغربية 19 ضعفًا مما كان عليه قبل 200 عام. وارتفع متوسط العمر المتوقع من 36 عامًا عام 1820 إلى 82 عامًا عام 2020. وارتفع مستوى المعيشة فيها إلى مستويات غير مسبوقة. واتسعت الاسواق الاوروبية وكان لا بد لها من المزيد من الاسواق وتأمين المواد الخام الضرورية لاستمرار التطور الصناعي. وهذا ما دفعها الى ايجاد مستعمرات لها في مختلف قارات العالم لضمان المواد الخام للصناعة والاسواق لبضائعها واليد العاملة الرخيصة. وكانت بريطانيا السباقة في ذلك اذ امتدت مستعمراتها في مختلف القارات على مساحة لا تغيب عنها الشمس!! تلتها فرنسا واسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وايطاليا. وكان إعادة تقاسم العالم بين الدول الاوروبية الرأسمالية سببًا رئيسيًا للحربين العالميتين.

بعد الحرب العالمية الثانية وبسبب الدمار الذي شهدته اوروبا والخسائر الفادحة التي منيت بها القارة انتقل دور الريادة في العالم الرأسمالي الى الولايات المتحدة التي حسمت الحرب بإلقائها قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين. ومنذ منتصف القرن الماضي بدأ وهج أوروبا كرائدة في الاقتصاد العالمي يخبو تدريجيًا أمام صعود قوى اقتصادية جديدة في الغرب والشرق وظهور المعسكر الاشتراكي في عدد كبير من دول القارة. فأصبح التحدي الذي يواجه اوروبا اليوم ليس مجرد النمو الاقتصادي، بل القدرة على بقاء القارة موحّدة ومتماسكة في عالم يتفاقم فيه الصراع والمنافسة وتحرر معظم الدول المستعمرة من السيطرة الاستعمارية.

في الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة لترسيخ تفوقها التكنولوجي وعمدت الصين الى تعزيز نفوذها الصناعي، بقيت دول أوروبا تتعثر بين البيروقراطية والاختلافات السياسية والاقتصادية فيما بينها. ومع أن الاتحاد الأوروبي يملك قاعدة بشرية واقتصادية ضخمة، إلا أن تباين السياسات والولاءات الوطنية حدّ من قدرته على التحرك كقوة موحدة.

اذن الصمود في المنافسة الاقتصادية مع قروش رأس المال الجدد هو ما دفع دول اوروبا الى الوحدة على الرغم من كل التناقضات والاختلافات في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي بينها. وشدت المانيا بهذا الاتجاه، كون اقتصادها هو الاقوى وهو المستفيد الاكبر من السوق المشتركة والعملة الموحدة، إضافة الى تدفق العمالة الرخيصة من أوروبا الشرقية والغاز الروسي الرخيص، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، سعيا ان يساعدها ذلك على بناء صناعة قوية ذات تكنولوجيا عالية موجهة نحو التصدير. في حين تحولت بقية دول الاتحاد الأوروبي إلى سوق مثالية. وجرى توريد السلع الاستهلاكية الرخيصة بكثرة من الصين، ما أسهم في تخفيف وطأة الضغوط التضخمية وتفاقم الاسعار.

اما بشأن التوقيت فان قيام الاتحاد الاوروبي جاء متأخرًا جدًا وقد يكون لذلك مبررات موضوعية من بينها شدة الدمار وضخامة الخسائر التي منيت بها القارة بعد الحرب العالمية الثانية وعجز دولها منفردة على إعادة الاعمار وظهور المعسكر الاشتراكي ومحاولة تصويره كتهديد وجودي للنظام الرأسمالي فتح الباب أمام الولايات المتحدة، التي تسعى الى فرض الهيمنة، للدخول الى اوروبا وفرض املاءاتها في شتى المجالات سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وتمكينها من نشر قواعد عسكرية لها في مختلف دول اوروبا الغربية وأنشأت حلف شمال الاطلسي – "الناتو" - وفرضت حصارًا محكمًا على المعسكر الاشتراكي وصعدت حربها الباردة وسباق التسلح تحت مختلف الذرائع المفركة. وعمدت الى ترسخ منسوب الرعب بين الاوروبيين لتبرير الزعم بانه لا يمكن لأوروبا ان تنعم بالأمن والاستقرار بدون مظلة الحماية العسكرية الامريكية، مستغلة في ذلك التفاوتات والاختلافات والتناقضات الكثيرة دخل دول القارة وفيما بينها.

"الركود في الأفق"

ويبدو ان قادة اوروبا، آنذاك، فضلوا الاذناب للولايات المتحدة طمعًا في توفير مقتضيات الدفاع عن دولهم والمساعدة في إعادة الإعمار على وحدتهم كدول انهكتها الحرب لمواجهة الواقع الجديد.

والنتيجة اليوم هي ان أوروبا تواجه مجموعة كبيرة من التحديات المستعصية والتي تُشكّل اختبارًا لقدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي واقتصادها التنافسي في عالم سريع التغيير وأكثر عدوانية وشراسة. والتحدّي الأول هو زيادة الإنفاق العسكري، فالقارة تجد نفسها مضطرة لرفع موازناتها العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تراجع الاعتماد على المظلّة العسكرية الأميركية وازدياد الضغوط الأمنية مع استمرار الحرب في اوكرانيا والدعم المالي الكبير الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لمواصلة هذه الحرب فمنذ شباط 2022 قدم الاتحاد الاوروبي 420 مليار دولار، هذا عدا عن حزمة المساعدات التي قدمها، مؤخرًا بقيمة 90 مليار دولار للفترة 2026 و2027.

اما التحدّي الثاني فهو الفجوة التنافسية الواسعة مع الولايات المتحدة والصين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والابتكار. وعجز الحكومات الأوروبية، عن تنفيذ إصلاحات هيكلية من دون إثارة غضب شعوبها. وخشية ان تؤدي سياسات التقشف، إلى تعزيز شعبية ونفوذ الأحزاب اليمينية المتشددة.

هذا في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا أكبر ورطة اقتصادية في تاريخها الحديث، وفقًا لما كشفت عنه قيادة الاتحاد الأوروبي، إذ ترزح تحت عبء عجز كبير في موازناتها، مع تزايد الدين العام وارتفاع الفوائد في "حلقة مفرغة". وذكرت أن تسريبات موازنة بريطانيا، وضعف الاقتصاد الألماني والفرنسي، وانسحاب المستثمرين من الأسواق، كلها مؤشرات على تراجع الثقة. وأضافت أن "الأسواق المالية بدأت تعيد تسعير المخاطر، وتراجعت البورصات الأوروبية، وتم تجميد المشروعات الكبرى، ووصلت الأزمة إلى قلب الصناعة الأوروبية".

وأضافت أن "الركود يلوح في الأفق"، مع استمرار تهديدات التضخم، وتباطؤ الإنتاج، وتراجع التنافسية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وضغوط السياسات الحمائية، وزيادة الإنفاق العسكري بـ 5% من الناتج المحلي الإجمالي (مقابل 2% سابقًا).

في العام 1960 ناهز الناتج المحلي الإجمالي للبلدان التي تشكل الاتحاد الأوروبي اليوم، ثلث الإنتاج العالمي أما اليوم فتشير التوقعات إلى انخفاض هذه الحصة إلى العُشر فقط بحلول نهاية القرن الحالي".

فنسبة الاقتصاد الأوروبي من الاقتصاد العالمي تواصل التراجع من 90% من حجم الاقتصاد الأميركي في العام 2008 إلى حوالي 65% اليوم. وهذه النسبة تجاوزها اقتصاد الصين، ومن المتوقع أن يتجاوزها قريبًا اقتصاد الهند في حال استمر الاقتصاد الأوروبي على وتيرة النمو نفسها.

وحذر الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، ريان رسول، من خطورة تفاقم ديون الاتحاد. وقال، في مقابلة إذاعية، ان متوسط الديون في الاتحاد الأوروبي بلغ العام الماضي نحو 88% من الناتج المحلي الاجمالي، ومتوقع أن يرتفع إلى 89.8% في 2026 ويتجاوز 90% في 2027، وهي نسب بعيدة تماما عن السقف الأوروبي المقبول 60%".

وأضاف رسول أن العجز في الموازنات العامة يشكل تحديا موازيا، فالدول الكبرى تجاوزت السقف الصحي البالغ 3%. حتى ألمانيا، المعروفة بانضباطها المالي، بلغ عجزها العام الماضي إلى 3.4% وقد يرتفع إلى 4% في العام الحالي، نتيجة زيادة الإنفاق الدفاعي. أما فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد أوروبي، فسجلت عجزا بلغ 5.4% العام الماضي، مع توقعات باستقراره قرب 4.9% العام الحالي، وهو ضعف المعدل المقبول أوروبيا.

من جهته أكد صندوق النقد الدولي التراجع المنهجي لمكانة الاتحاد الأوروبي. فوفقًا لتحليل اجري في شباط 2026 يتسم وضع الاتحاد الأوروبي بضعف منهجي في قدرته على المنافسة العالمية.

وحسب التقدير الذي نشرته "يوروستات"، الأربعاء الماضي، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو بنسبة 0,1 في المئة فقط في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، وبنسبة 0,8 في المئة فقط على أساس سنوي. ويمثّل ذلك تباطؤًا حادًا مقارنة بنمو بلغ 1,3 في المئة في الربع الرابع من عام 2025، وبفارق يقترب من نقطة مئوية كاملة عن مستوى انطلاق الكتلة في مطلع العام. وأدّت بقية دول الاتحاد الأوروبي أداء أفضل هامشيا مع نمو فصلي بلغت نسبته 0,2 في المئة ونمو سنوي قدره 1,0 في المئة. ورغم ذلك تبقى هذه الأرقام أقل بكثير من الولايات المتحدة، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2,7 في المئة على أساس سنوي خلال الفترة نفسها.

في العام 2025 بلغ اجمالي الإنتاج المحلي في منطقة اليورو 16406 مليار دولار بنمو سنوي 0.3% وسجل التضخم ارتفاعًا بنسبة 1.9% وسجلت البطالة 6.3%، قرابة 11 مليون عاطل عن العمل.

ويحاول المحللون الاقتصاديون إعطاء التبريرات لذلك مثل: التوترات التجارية والرسوم الجمركية العشوائية والتضخم المالي والسياسة النقدية وارتفاع اسعار الطاقة والأزمات المالية والديون السيادية والفوائد على هذه الديون والتحديات الهيكلية والديموغرافية مثل الشيخوخة ونقص العمالة والتكاليف الباهظة للرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية وضعف الإنتاجية التي تستدعي إصلاحات هيكلية لتعزيز القدرة التنافسية العالمية، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية السريعة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي. إضافة الى التباين الكبير في الأداء الاقتصادي بين مختلف دول الاتحاد.

تحديات مصيرية أيضًا

وبالإضافة الى التحديات الاقتصادية هناك أيضًا تحديات مصيرية تعترض الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها عودة الانقسامات الجيوسياسية القديمة.

أول هذه التحديات الانقسام المتزايد بين شرق القارة وغربها. فالدول الواقعة على حدود أوكرانيا، مثل دول البلطيق وبولندا، تدعو إلى تشديد العقوبات على روسيا وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، ربما تخوفا من ان يكون مصيرها مماثل لاوكرانيا. بينما تميل دول أوروبا الغربية، مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا، نحو التسوية مع روسيا (تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن أهمية عدم إذلال روسيا). مع تعمق أزمتي الطاقة والاقتصاد، من المرجح أن تدفع البلدان البعيدة عن خط المواجهة إلى التراجع عن الحرب. هذا بالإضافة الى وجود قادة دول وأحزاب تعارض ما يقدمه الاتحاد من دعم مالي وعسكري سخي للنظام في أوكرانيا.

اما الانقسام الثاني بين الشمال والجنوب هو الذي كاد يمزق منطقة اليورو أثناء أزمة الديون السيادية قبل عقد من الزمان. ومع احتمال حدوث ركود تضخمي في المدى القريب، فإن الفرق في تكاليف الاقتراض بين الدول الأعضاء في شمال وجنوب الاتحاد، لا سيما بين ألمانيا وإيطاليا، آخذ في الارتفاع. فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، التي لديها مجال أقل للمناورة المالية لمواجهة الركود، تدعو إلى مبادرة جديدة من بروكسل لزيادة صندوق التعافي في مرحلة ما بعد جائحة كورونا والمساعدة في التعامل مع التكاليف الاقتصادية للحرب، بما في ذلك تكلفة نقل الطاقة. لكن ألمانيا، التي تعتمد أكثر من غيرها على الغاز الروسي، تضاعفت أسعار الطاقة لديها ثلاث مرات، من غير المرجح أن تدعم مثل هذه الخطوة. ومن المرجح أن تدعو الحكومة الألمانية أعضاء الاتحاد للمساعدة في تخفيف أزمة الطاقة في ألمانيا، بدلاً من توفير مواردها المالية الخاصة لمساعدة المشاكل الاقتصادية للأعضاء الآخرين.

في بيان مشترك أصدره وزراء مالية منطقة اليورو، وَصَـفَ عُـملة اليورو على أنها "أحد أعظم الإنجازات الملموسة للتكامل الأوروبي". الواقع أنَّ اليورو لم يفعِّل أيَّ شيء لتعزيز التكامل الأوروبي. بل العكس تمامًا هو الصحيح. كان الغرض الأساسي من اليورو، كما ورد في البيان، هو تسهيل التكامل من خلال إزالة تكلفة تحويلات العملة، وتجنُّب المخاطر المترتبة على عمليات خفض القيمة المزعزعة للاستقرار. وُعِـدَ الأوروبيون بأنَّ اليورو سيشجِّع التجارة عبر الحدود، ويعمل على تقارب مستويات المعيشة، ويجعل دورة الأعمال أكثر سلاسة، ويجلب قدرًا أكبر من استقرار الأسعار، وأنَّ الاستثمار البيني داخل منطقة اليورو سيفضي إلى نمو الإنتاجية الأسرع في الإجمال وتقارب النمو بين البلدان الأعضاء.

بعد مرور أكثر من 22 عامًا على إقامة منطقة اليورو لم تتحقَّق أيٌّ من الوعود التي أعلن عنها وزراء مالية الدول الاعضاء. لا في مجال التجارة داخل منطقة اليورو التي سجلت نموًّا بلغ 10%، وهذا أقل كثيرًا من الزيادة التي سجَّلتها التجارة العالمية بنسبة 30%، والأهم من ذلك زيادة التجارة بنسبة 63% بين ألمانيا وثلاث دول في الاتحاد الأوروبي لم تعتمد اليورو: بولندا، والمجر، وجمهورية التشيك.

ولا في مجال تسهيل التكامل وتقارب مستويات المعيشة، وجعل دورة الأعمال أكثر سلاسة، وضمان قدرًا أكبر من استقرار الأسعار، وزيادة نمو الإنتاجية وتقارب النمو بين البلدان الأعضاء.

والقصة ذاتها مع الاستثمارات المنتجة. فقد اجتاحت موجة عارمة من القروض من ألمانيا وفرنسا بلدان منطقة اليورو مثل اليونان، وأيرلندا، وإسبانيا، مما أدّى إلى حالات إفلاس متتالية، والتي كانت في صميم أزمة اليورو قبل أكثر من عشر سنوات. لكن معظم الاستثمار المباشر الأجنبي ذهب من بلدان مثل ألمانيا إلى دول من الاتحاد الأوروبي اختارت عدم تبنّي اليورو.

أمّا عن الدخل، ففي عام 1995، في مقابل كل 100 يورو (114 دولار أميركي) يكسبها المواطن الألماني العادي، كان المواطن التشيكي العادي يكسب 17 يورو، واليوناني العادي 42 يورو، والبرتغالي العادي 37 يورو. بين الثلاثة، كان التشيكي فقط الذي لم يتمكّن من سحب اليورو من أجهزة الصراف الآلي المحلية بعد عام 2001، ومع ذلك كان دخله في عام 2020 أقرب إلى متوسط دخل الألماني البالغ 100 يورو بنحو 24 يورو، مقارنة بنحو 3 يورو فقط في حالة نظيره اليوناني، و9 يورو فقط في حالة نظيره البرتغالي.

فجوات التفاوت المتزايدة

بالنظر إلى أحداث الماضي الآن، يتبيَّن لنا أنَّ الأمر وكأنَّ بنية اليورو مصمَّمة لإحداث القدر الأقصى من التباعد لاتحاد تمزقه فجوات التفاوت المتزايدة الاتساع والشعبوية والكارهة للأجانب والمهاجرين.

ويبدو ان المستقبل لا يبشر بالخير بالنسبة للاقتصاد الأوروبي خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا على مدار أكثر من خمس سنوات وتصاعد العدوان الإسرائيلي الأمريكي في الشرق الاوسط إضافة الى سياسة الابتزاز والتهديدات الامريكية، التي تجلت بوضوح في محاولة ترامب الاستيلاء على جزيرة غرينلاند والصفقة التي توصلت اليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 27 يوليو الماضي. والتي بموجبها سيتم فرض رسوم جمركية قدرها 15% تقريبا على كل الصادرات من الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، التزم الاتحاد الأوروبي بشراء الغاز الطبيعي المسال والوقود النووي والأسلحة من الولايات المتحدة. ولا تشمل الصفقة إلغاء الرسوم الأمريكية البالغة 50% على الصلب والألمنيوم، ولكن يمكن خفضها نتيجة لمزيد من المفاوضات. ووفقًا لهذه الصفقة المجحفة التزم الاتحاد الأوروبي بشراء موارد الطاقة من واشنطن بقيمة 750 مليار دولار - 250 مليار دولار سنويا حتى نهاية ولاية ترامب، بالإضافة إلى استثمار 600 مليار دولار إضافية في أمريكا!!

وصدق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندم قال ان هذه الصفقة افقدت أوروبا "هيبتها". واضاف: "لكي نكون أحرارًا، يجب أن نثير الخوف. لم يعد أحد يخشانا بما يكفي. فرنسا دائما ما اتخذت موقفًا صارمًا ومطالبًا. وسوف تستمر في القيام بذلك".

اما المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، صوفي بريما، فعبرت عن أسف باريس للظروف التي تم فيها التوصل إلى هذه الصفقة. وعلقت خلال مؤتمر صحفي على تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو بأن الصفقة كانت "إذلالا" لأوروبا.

يعيش في أوروبا أكثر من خُمس أثرياء العالم من أصحاب المليارات. في العام 2025، بلغ عدد المليارديرات في الاتحاد الأوروبي نحو 500، أي أكثر بـ 39 مليارديرًا عن عام 2024. في الأشهر الستة من العام الماضي ارتفعت ثروات مليارديرات الاتحاد الأوروبي مجتمعةً بأكثر من 400 مليار يورو، أي ما يعادل أكثر من ملياري يورو يوميًا. هذا وفقًا لتقرير أوكسفام. هذا في الوقت الذي تدفع فيه هذه الدول 4.4 مليار يورو فوائد سنوية على دينها الخارجي.

وفقًا لتقرير الثروة لعام 2026 الصادر عن مؤسسة "نايت فرانك"، الذي نقله موقع "يورونيوز"، فقد قفزت أعداد هؤلاء الأثرياء في أوروبا بنسبة 26% خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعني انضمام 37428 عضوًا جديدًا إلى هذا النادي الحصري بين عامي 2021 و2026.

وتتربع ألمانيا على عرش الثراء الأوروبي بـ 38215 فردًا من أصحاب الثروات الطائلة، تليها المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بـ 27876 فردًا، ثم فرنسا بـ 21528 فردًا. وتعد هذه الدول الثلاث الوحيدة في القارة التي كسر فيها عدد الأثرياء حاجز الـ 20 ألف ثري، بينما جاءت سويسرا بـ 17692 وإيطاليا بـ 15433 فردًا.

وعلى مستوى الزيادة المطلقة، كانت ألمانيا أيضًا هي الرابح الأكبر، حيث انضم 9273 عضوًا جديدًا إلى نادي ثروات الـ 30 مليون دولار فأكثر، تلتها سويسرا بزيادة قدرها 4968 فردًا.

بالنظر إلى بقية الاقتصادات، نجد تفاوتًا كبيرًا، ففي إسبانيا بلغ عدد الأثرياء 9186، وفي السويد 6845، وهولندا 5077. أما روسيا (خارج الاتحاد الأوروبي)، فتحتضن 8399 فردًا.

رغم أن الأرقام المطلقة تصب في مصلحة القوى الاقتصادية الكبرى، إلا أن نسب النمو الأعلى سُجلت في دول أوروبا الشرقية والناشئة. فقد تضاعف عدد الأثرياء في بولندا بنسبة هائلة بلغت 109%، تلتها تركيا بنسبة 94%، ثم رومانيا بنسبة 93%.

أشار ليام بايلي، رئيس الأبحاث العالمية في "نايت فرانك"، إلى أن العالم يشهد حاليًا أحد أهم التحولات في توزيع الثروة العالمية في التاريخ الحديث.

وأوضح التقرير أن تصاعد الضغوط الضريبية والقيود التنظيمية المتزايدة دفع أصحاب الثروات الفائقة نحو "عولمة" حياتهم، حيث باتوا يوزعون أصولهم وإقامتهم عبر ولايات قضائية متعددة، مع اعتماد متزايد على "مكاتب إدارة الأصول العائلية" لإدارة الضرائب والمخاطر السياسية وتأمين نمط الحياة.

وأكد التقرير أن هذا النمو لا يقتصر فقط على فئة ثروات الـ 30 مليون دولار فأعلى، بل يشمل أعداد المليارديرات التي واصلت الارتفاع عالميًا، بما في ذلك داخل القارة الأوروبية.

في المجمل، وفق تقرير أوكسفام، فان 3600 أوروبي الأغنى يملكون ثروة تعادل ما يمتلكه 181 مليون أفقر إنسان في العالم ــ وهو ما يعادل مجموع سكان ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

تشير هذه الأرقام إلى هيمنة دول أوروبا الغربية والشمالية على قائمة أصحاب المليارات، حيث تشكل ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، فرنسا، والسويد نحو 61% من إجمالي المليارديرات في القارة، في حين تتخلف أوروبا الشرقية بفارق كبير.

وعلقت كيارا بوتاتورو، خبيرة الضرائب في منظمة أوكسفام بالاتحاد الأوروبي على تقرير المنظمة بالقول: "تُنتج أوروبا مليارديرات بمعدلات قياسية، بينما يُكافح ملايين الأوروبيين لتلبية احتياجاتهم". وأضافت: "هذا التفاوت ليس صدفة، بل هو مُصمم".

منذ ثمانينيات القرن الماضي، خفضت حكومات الاتحاد الأوروبي الضرائب المفروضة على فاحشي الثراء والشركات، بينما اعتمدت بشكل أكبر على الضرائب التي يدفعها الأوروبيون العاديون بشكل رئيسي، مثل ضرائب الأجور والاستهلاك.

اليوم، يأتي 8 من كل 10 يورو من عائدات الضرائب في الاتحاد الأوروبي من الضرائب التي يدفعها الأوروبيون العاديون في المقام الأول. وتمثل ضريبة دخل الشركات، وهي الضريبة التي تدفعها على أرباحها، 9% فقط، بينما تشكل الضرائب على الثروة 0.4% فقط.

في العام 2023، حاز أفقر نصف سكان الاتحاد الأوروبي (181 مليون بالغ) على حصة من ثروة أوروبا (3,4%) تساوي حصة أغنى 0,001% (3600 بالغ). ويُقارب عدد سكان ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا مجتمعين (191 مليون نسمة) عدد الأشخاص الذين يملكون ثروة تعادل ثروة أغنى 3600 شخص في أوروبا.

ومع ذلك، تبقى الفجوة في توزيع الثروة قضية ملحّة، إذ يملك أغنى 1% من السكان في معظم الدول الأوروبية ما لا يقل عن 20% من إجمالي الثروة.

تباين سياسي شاسع يتهدد مستقبل الاتحاد

بالإضافة الى ذكر من مشاكل وتحديات اقتصادية واجتماعية يبرز بكل وضوح الانقسام السياسي في المواقف الأوروبية الرسمية والشعبية من مختلف القضايا العالمية. فمثلًا الموقف من حرب الإبادة على غزة ولبنان في حين ان بعض الدول في الاتحاد الأوروبي والاكثرية الساحقة من الشعوب الأوروبية نددت بحرب الإبادة وجرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة والعدوان الهمجي على لبنان، ابدى بعض القادة الأوروبيين شيئًا من التعاطف مع دولة الاحتلال ولاذ البعض الاخر بالصمت مذراةً لامريكا. وهذا المشهد تكرر عند تنفيذ ترامب جريمة اقتحام القصر الرئاسي في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولوس مادورو وزوجته وأعلنه المستهجن الاستلاء على نفط البلد لكن القادة الأوروبيين، باستثناء قادة اسبانيا، ملأوا أفواههم بالماء وكأن استباحة السيادة الوطنية للدول لا يتعارض مع القوانين والشرائع الدولية التي طالما يتغنى بها الاوروبيون!

والمستغرب ان مثل هذا المشهد تكرر أيضًا عندما قصفت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية دون أي تعليق أوروبي! لكن عند اعلان ترامب عن عزمه ضم جزيرة غرينلاند سارع الكثير من القادة الأوروبيين الى استنكار هذا الإعلان وحتى أبدوا الاستعداد للتصدي له في حين ان بعض هؤلاء القادة لجأ الى الصمت! وهذا يدلل على الرياء السياسي وثنائية المواقف وغياب الوحدة السياسة في هذا الاتحاد والتي هي أهم شروط الوحدة الاقتصادية ولذلك التعويل على استمراره ضعيف وقد يكون غير واقعي.