جنات على مد النظر، ينابيع مياه عذبة، روائح عطرة ومنعشة، أراض شاسعة وخصبة تجري فيها الجداول والاودية، كروم وبيارات وبساتين وحقول ومزارع مترامية الاطراف وبيوت حجرية جميلة وطرقات واسعة مرصوفة بالحجر وساحات تربط هذه البيوت ببعضها وهواء منعش يهب عليها من البحر القريب ممزوجًا بعبق المكان - هذه هي قرية الكابري الفلسطينية، بلد أهالي وأجدادي.
هذه القرية المهجرة تقع في شمال فلسطين وتتبع للواء عكا وتبعد عنها 12 كم الى الشمال الشرقي وتبعد 5 كم الى الشرق من البحر على الشارع الموصل بين السهل الساحلي وجبال الجليل الغربي وهي جارة البصة والزيب وأم الفرج والنهر والتل والغابسية وجميعها بلدات نكبت وهجرت من أهلها في العام 1948. ومن الجهة الشرقية هي جارة معليا وترشيحا. فموقعها استراتيجي هام اذ تربط الساحل الغربي بجبال الجليل الأعلى شرقا وتربط شمال فلسطين بجنوبها. والكابري هي تحريف للاسم الارامي "كابرايا" ويعني الكبير والغني.
في هذا المكان الجميل من الجليل الأشم عاش الناس بهداة بال ومحبة وتكاتف وطموحهم الوحيد هو المزيد من السعادة والآمان. وفي سبيل ذلك ربط أهلها الليل بالنهار في العمل في الحقول والبساتين والبيارات والكروم، ولا ابالغ أذا قلت ان كل ذرة تراب من اراضي الكابري، التي تمتد على مساحة أكثر من 28 ألف دونم، مجبولة بعرق الناس الذين عاشوا عليها على مر العصور- منذ 3200 سنة قبل الميلاد.
الكابري دمرت ست مرات على أيدي مختلف الغزاة وآخرها كان في العام 1948 على ايدي الغزاة الصهاينة. وفيها عسكرت جيوش ابراهيم باشا، قائد الحملة المصرية على فلسطين كما رابطت فيها جيوش نابليون عند حصاره مدينة عكا وعجزه عن احتلالها.
الكابري كانت غنية جدًا بالمياه ففيها أربعة ينابيع مياه عذابة. نبع الكابري ونبع عين العسل ونبع الفوار ونبع المفشوخ، هذا بالإضافة الى وادي جدّين من الجهة الجنوبية الشرقية ووادي الصعاليك من الجهة الشمالية وهو أحد روافد وادي القرن.
ينابيع الكابري كانت تضخ بمعدل سنوي قرابة 9 ملايين كوب ماء من المياه ذات المواصفات الكيمائية الجيدة اذ لا تتجاوز نسبة الكلور فيها 25 ملغ في الليتر الواحد، وهذا ما دعا شركة انكليزية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، إلى تعبئة مياه الكابري في قوارير للبيع في بريطانيا (معمل سبيني او سبينيس الذي اقامته سلطة الانتداب على اراضي بلدة المنشية المهجرة). كما سحبت مياه نبع الكابري (قناة الباشا) بقنوات على قناطر الى مدينة عكا على ثلاث مراحل الاول في العهد البيزنطي والثانية في 1800 في عهد احمد باشا الجزار والثالثة في 1841 في عهد سليمان باشا وما نشهد اليوم هو بقايا قناة سليمان باشا. تحّكم الكابري بهذا المصدر الهام للحياة جعلها ذات مكانة استراتيجية وأكسبها قوة ونفوذا.

ناعورة الكابري
قناة الباشا بناها والي عكا العثماني سليمان باشا عام 1814، كانت توصل المياه من ينابيع الكابري الى مدينة عكا
وعندما سؤل "شيخ الجغرافيين الفلسطينيين"، العلامة الدكتور كمال عبد الفتاح جبر من مدينة جنين عن قرية الكابري قال: يكفي عيون الماء فيها التي كانت تسقى مدينة عكا أما عن تاريخ القرية عام 1596-1597 إرجع إلى الكتاب: "الجغرافية التاريخية لفلسطين وجنوب سوريا وشرق الأردن" الذي طبعناه عام 1977 تجد فيه ما يسرك وجاء فيه : "أن قرية الكابري كتبت (كابرا) وكانت تتبع ناحية عكا لواء صفد وكان عدد أرباب الأسر الدافعة لضريبة الزراعة عشرة وعدد البيوت المعمورة عشرة وقيمة الضريبة الزراعية (25%) وقيمة ضريبة القمح (الحنطة) (780) أقجة والأقجة عملة عثمانية قديمة صنعت من الفضة وكانت غالية وعالية الثمن وهي العملة المشهورة في تلك الفترة وكانت ضريبة الشعير (240) أقجة وضريبة المحاصيل الزراعية من مقاثي البطيخ والشمام والذرة والسمسم والخضار والمحاصيل الصيفية كانت (240) أقجة وكانت الضريبة الناتجة عن زراعة القطن هي (200) أقجة ودفعت القرية ضريبة على الماعز والنحل بقيمة (40) أقجة" .
كان عدد سكان الكابري في 1948، 1770 نسمة عاشوا في بيوت جميلة وفاخرة مبنية من الحجر والاسمنت المسلح وكان فيها العديد من المباني متعددة الطوابق. وقد وصف الضابط الاسرائيلي دوف يرميا، الذي حارب في المنطقة ويعرفها جيدًا، بتوتها بالقصور الجميلة وأهالها بالإغنياء. وتربط بين بيوت القرية طرقات واسعة مرصوفة بالحجر ومضاءة بمشاعل من شمع العسل وساحات واسعة. وكان مدخل القرية قبالة منبع عين العسل حيث أشجار الظل الوارفة والكثيفة والهواء النقي المجبول بأريج البساتين ونسيم البحر.
كان في القرية جامع صغير وزاوية للجماعة الشاذلية وقبيل النكبة كان العمل جارٍ على استكمال بناء الجامع الجديد بطول عشرة أمتار وبعرض 20 مترًا وارتفاع ستة أمتار على رأس نبع عين العسل على قطعة ارض تبلغ 3 دونمات تبرع بها ورثة فؤاد سعد، وهم مسيحيون، عن طيبة خاطر وكرم اخلاق إيمانا منهم بالألفة والمودة بين المسلمين والمسيحيين على هذه الأرض المقدسة، الا ان النكبة حالت دون اتمامه. وكذلك كان الامر بالنسبة للمدرسة. اذ تم البدء في بناء المدرسة الجديدة شرقي القرية على امل ان يتم الانتقال اليها في بداية السنة الدراسية في العام 1948. كان في القرية مدرسة حتى الصف الخامس وكان يتعلم فيها 100 تلميذ وكان يدرس فيها مجموعة من المعلمين أحدهم من مدينة نابلس من عائلة خماش الذي عاش في القرية.
مطحنة عين العسل
كان في القرية مطحنتان الاولى الغربية على نبع عين العسل وكانت تسمى مطحنة الريس نسبة الى موقعها في منطقة "الريس" وهذه الكلمة مصرية وتعني الرئيس، فعندما وصلت حملة ابراهيم باشا الى مدينة عكا أكرم حاكمها احمد باشا الجزار عددا من المقاتلين المصريين بإعطائهم قطع ارض في هذه المنطقة ومكنهم من العيش في الكابري. اما المطحنة الثانية الشرقية فكان يشغلها رافد من وادي جدّين ولا تزال أثار هاتين المطحنتين باقية حتى يومنا هذا كشاهد عيان على نكبة اهلنا. وفي السنوت الاخيرة قبيل النكبة تم تشغيل بابور (مطحنة آلية) وكانت في الجهة الشرقية الجنوبية من القرية معصرة. ولهذا كان يزور البلدة يوميا العشرات من سكان القرى المجاورة.
البلدة كانت عبارة عن حارتين، الغربية والشرقية وعائلتنا، دباجة وهي السابعة من حيث العدد، كانت تسكن في الحارتين. قسم من العائلة سكن في شمال الحارة الغربية في عمارات من طابقين والى الجنوب منها تقع الزاوية الشاذلية التي بقيت اطلالها ظاهرة الى ما قبل توسيع الشارع الرئيسي الذي يربط بين الساحل الغربي والجبل شرقا. اما القسم الاخر من العائلة فسكن في الحارة الشرقية بمحادة الطريق الرئيسي في القرية الذي يفصل بين الحارتين.
حول البلدة كانت تمتد من الجهات الغربية والجنوبية والشرقية - الجنوبية بساتين الحمضيات بمختلف صنوفها (أكثر من 6 مئة دونم) ومسيجة بأشجار السرو والصفصاف والورد الجوري يملئ الفجوات في هذا السياج. وكان هناك اتفاق بين أصحاب هذه البساتين على حصص الري من خلال تحول مجاري وادي عين العسل وجدّين الى القنوت التي تصل الى هذه البساتين حسب برنامج متفق عليه بين المزارعين وبمصادقة المختار والمجلس البلدي.
اما من الجهة الشرقية والشرقية - الجنوبية والجهة الشمالية فكانت تمتد كروم الزيتون (أكثر من 540 دونما) أضافة الى بيارات التفاح والخوخ والمشمش واللوز وكروم التين والعنب والرمان والتوت والعوسج (العليق)، التي تحيط بمجرى وادي عين العسل ونبع الفور ووادي جدّين. ومن الجهة الغربية والتي تمتد حتى شارع عكا - رأس الناقورة بالإضافة الى بساتين الحمضيات كانت بيارات الموز (أكثر من 200 دونم) وحقول القمح والشعير والقطن والسمسم والعدس والحمص (قرابة 14 ألف دونم) وكذلك مزارع الخضروات بمختلف انواعها وقصب السكر وقسم كبير من هذه المزروعات مروي (قرابة خمسة آلاف دونم)، إضافة الى آلاف الدونمات من المراعي (13 ألف دونم) في الاساس في الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية - الشرقية من القرية. وكانت القوى العاملة في فلاحة الارض غير كافية مما حمل الفلاحون على الاستعانة بعمال من جنوب لبنان.
والى جانب الزراعة اشتغل أهل الكابري في تربية المواشي والدواجن وكذلك تربية النحل وقطف العسل.
وكانت منتوجات الكابري، بمختلف أنواعها، تشحن الى اسواق عكا وحيفا يوميا منذ ساعات السحر الاولى.
في الكابري كان مجلس بلدي واخر من ترأسه كان احمد سرحان وكذلك كان مختار في القرية ديب الصفدي ولجنة من ختيارية البلد.
ونفذ هذا المجلس البلدي بالتعاون مع المختار وبالمشورة مع لجنة ختيارية البلد العديد من المشاريع الحيوية من أبرزها: بناء جسر على مجرى وادي جدّين على شارع عكا ترشيحا والعديد من العَبّارات والقنوات وصب مجري نبع عين العسل بالباطون ورفع حافتي المجرى لتجنب الفيضانات وتجفيف المستنقعات وبناء مغطسا للحيوانات لتجنب مرض الجرب وبناء مدرسة لم تفتتح وكذلك بناء الجامعً لم يكتمل العمل فيه ورصف مدخل البلد من عين العسل وحتى الساحة في شمال البلد. كما وزع المجلس معونة مالية (إعاشة) على مستوري الحال. إضافة الى ذلك كانت الزاوية الشاذلية، التي كانت تمتلك مساحة شاسعة من الاراضي، توفر لقمة العيش مقابل العمل لمن لا يمتلكون الارض وحتى المأوى في بعض الاحيان.
طبيعة المكان وجماله وغناه انعكس على نفسية أهله وتوطدت علاقة الانسان بأرضه وترسخت صلة الانتماء بين الناس والمكان لذا ليس صدفة ان تكون الكابري في ثورة 1936 مركزا لقيادة الثورة في شمال فلسطين اذ كانت مركزًا لفصائل الثورة التابعة لقائد المنطقة خليل العيسى (أبو إبراهيم الكبير). كما ان العشرات من خيرة شباب الكابري والقرى المجاورة انصهروا في صفوف الثورة بقيادة أبن الكابري الدليل سعيد فيراوي وأخيه عيد ونفذوا العديد من العمليات ضد قوات الانتداب البريطاني. وغرمت محاكم الانتداب البريطاني أهالي الكابري بشكل جماعي عدة مرات على عمليات نفذها الثوار. الا ان أهل الكابري احتضنوا الثوار برحابة صدر ومدوهم بشكل دائم بالمؤن.

الدليل سعيد

عيد سعيد
سجل من البطولات
كان لأهل الكابري دور هام في موقعة الكابري يوم 21 آذار 1948 التي جاءت ردا على جريمة قتل 15 فلسطينيا في كمين نصبته العصابات الصهيونية الى الجنوب من عكا استهدف شحنة سلاح للقوات العربية والثوار قادمة من لبنان.
بعد هذه الجريمة اقدمت حامية عكا العربية على قطع الطريق بين حيفا والجليل الغربي مما أسفر عن محاصرة المستوطنات اليهودية في الشمال. واضطرت القوات البريطانية على التدخل والتوصل الى اتفاق مع قائد حامية عكا العربية يقضي بعدم التعرض للقوافل الصهيونية المحملة بالمؤن الى المستوطنات المحاصرة. وقد نجح هذا الاتفاق في إيصال قوافل المؤن إلى نهريا وعدد من مستوطنات الشمال باستثناء كيبوتس جدّين (يحيعام اليوم).
كان كيبوتس جدّين، الذي أقيم في تشرين الثاني 1946، محاصرًا منذ القرار الاممي بتقسيم فلسطين 1947 والذي كان يعيش فيه 60 مستوطنًا وعمدت العصابات الصهيونية على إيصال المؤمن اليه بطائرة هليكوبتر كان يقودها عيزر فايتسمان، الذي أصحب فيما بعد قائدا للجيش ووزيرًا للحرب ومن ثم رئيسًا للدولة.
نجاح القافلة الاولى في إيصال المؤن الى نهريا وبعض مستوطنات الشمال شجع القيادة الصهيونية على محاولة إرسال قافلة مماثلة إلى جدّين. انطلقت هذه القافلة بقيادة أيتان زايتس وبمرافقة قائد الكتيبة 21 من لواء كرميلي، الضابط فيختر بن عامي، في صبيحة يوم 27 آذار من "كريات حاييم" (قرب حيفا) إلى نهريا ومن هناك واصلت طريقها إلى جدّين كانت القافلة مكونة من حافلة محملة بالمؤن تحميها 7 آليات مدرعة وعلى متنها 90 جنديًا.

القافلة في اثناء خروجها من نهريا
وفيما كانت القافلة تسير على شارع عكا - ترشيحا بالقرب من الكابري، بعيد ظهيرة ذلك اليوم، فاجأها المقاتلون العرب، الذين استحكموا في كمين في محيط مقبرة الكابري، بوابل كثيف من الرصاص والقنابل والمتفجرات، وذلك بعد ان فسحوا المجال للمدرعة الأولى بالمرور. واسفرت هذه العملية عن سقوط 47 جنديًا صهيونيا وتدمير الحافلة والمدرعات المرافقة باستثناء الاخيرة التي ولت عائدة الى نهريا وما ان وصلت الى بلدة النهر القريبة تصدى لها المقاتلون العرب ودمروها. كما ان المدرعة الاولى لم تنجُ هي الاخرى بعد ان لاحّقها المقاتلون العرب ودمروها.

مقبرة الكابري
تواصلت المعركة في الكابري حتى حلول الظلام حيث استطاع بعض من بقي على قيد الحياة من رجال القافلة بالهرب تحت جنح الظلام تاركين وراءهم المعدات والمؤن والشاحنات. ومن ضمن القتلى الضباط فختير بن عامي وإيتان زايتس.
وفي كتابه "سفر قرية الكابري" أشار الحاج بدر الذين الجشي الى انه بعد هذا الانتصار المجلجل للثوار زار قادة "جيش الانقاذ"، الذين رفضوا المشاركة في العملية بذرائع واهية، موقع المعركة وابدوا الأعجاب بشجاعة وبطولات الثوار ومنحوا القرية مكافأة بنادق وذخيرة

احدى المدرعات التي دمرها المقاومون
ووصفت صحيفة "فلسطين" الاسبوعية، في عددها يوم 30 آذار 1948، هذه الموقعة كالتالي: "معركة كبيرة نشبت بعد ظهر السبت الماضي 21 آذار واستمرت 7 ساعات ذهب ضحيتها 60 قتيلا يهوديًا وسبعة جرحى. ووصفتها بانها أكبر معركة عرفها الشمال. وغنم المناضلون كميات هائلة من السلاح والمؤن التي كانت في طريقها الى مستعمرة جدين. وأضافت: استشهد في هذه المعركة صالح ابو الخير (30 سنة) وسعدو ياسين الخباز وثالث لم تعرف هويته واصيب 6 آخرون".
ويبدو ان اسم الشهيد الثالث، وفقًا لما أفصح عنه ابو شاكر نعمة دباجة في مقابلة صحافية معه، نأتي على ذكرها لاحقًا، هو احمد حِسن، وقتل خنقًا على يد قائد القافلة الذي هرب ومعه جندي مصاب من موقع المعركة كما نزع عن القتيل الشملة التي كانت تحزم وسطه ليضمد جراح الجندي المصاب. وفي صباح اليوم الثاني رصدهما أحد أبناء القرية وعاد وابلغ اهالي القرية عنهما وفي الحال توجه عدد من الشبان الى مكان اختباءهما وقتلوهما وحملوا هذا الشهيد على الجمل وعادوا به الى القرية حيث تم دفنه.
هذه الهزيمة المدوية للعصابات الصهيونية والخسائر الكبيرة التي منيت بها حملت القوات البريطانية على قصف الكابري بالمدفعية المتمركزة بالقرب من مدينة عكا. كما حملت القيادة الصهيونية، التي أقرت بهذه الهزيمة المدوية، على وضع خطة للانتقام وأطلق عليها اسم "بن عامي-2" (على اسم الضباط الذي رافق القافلة المهزومة وقتل في المعركة).
وتنص الخطة، وفقًا للأمر العسكري على: فتح الطريق الى "يحيعام" وإيصال المؤن إلى هناك واحتلال قرى الكابري وأم الفرج والنهر وقتل الرجال فيها وهدم البيوت وحرقها في القرى الثلاث. واشير في الامر الى عدم وجود أي قوات اجنبية (قوات من جيش الانقاذ) في القرى الثلاث. يبدو ان هذا الخبر سربته سلطات الانتداب البريطاني، التي كانت على علم مسبق مؤامرة جيش الانقاذ الى القيادة الصهيونية.
انسحاب الثوار
بعد سقوط عكا وقرى البصة والزيب والمنشية وكويكات وعمقا في السادس والسابع عشر من أيار 1948، إضافة الى ما بدا من تآمر مكشوفٍ من قيادة "جيش الانقاذ"، وتصعيد القصف الصهيوني للقرية دفع الكثير من النساء والاطفال والعجائز الى مغادرة القرية الى ترشيحا، وعائلات كثيرة اخرى غادرت الى لبنان. الا ان الثوار بقوا في القرية.فقبيل رحيل آخر فرقة من "جيش الانقاذ" من الكابري سرب رقيب أردني في "جيش الانقاذ" خبرًا مفاده بان "قرى الساحل، خلال الايام القادمة، قد تغدو فريسة للصهاينة بسبب غياب قوات جيش الانقاذ. ومن الافضل للأهالي الرحيل الى ترشيحا الجبلية مدة اسبوعين حتى نحرر صفد من الصهاينة ثم نعود بقوة أكبر وعدادٍ افعل لاحتلال جميع مستعمرات الساحل الشمالي". وفي صباح اليوم التالي انتشر هذا الخبر في القرية كالنار في الهشيم.
وهذا ما استدعى عقد اجتمع مشترك للثوار مع كبار السن في القرية حيث تقرر فيه الانسحاب على شكل مجموعات شرقا نحو ترشيحا رغم ان الثوار كانوا متحمسين ومندفعين للدفاع عن القرية بكل ثمن. وجاء هذا القرار بسبب التباين الكبير في توازن القوى من ناحية التعداد والتسلح. فعدد الجنود الصهاينة هائل ومدججين بالأسلحة الحديثة والمدافع والآليات بينما كان عدد الثوار في القرية لا يزيد عن ثمانين رجلًا. كانوا مسلحون بنادق قديمة ومتنوعة المصدر وذخائر محدودة ومتنوعة.
ثوار الكابري
نقل الحاج بدر الدين الجشي في كتابه "سفر قرية الكابري" عن ابو موسى مصطفى بلقيس اسماء عدد من الثوار وهم: علي قدورة، خليفة الصفدي، محمود الزعزوع، صالح محمد (ابو علي) الجشي، عيد سعيد فيراوي، خليل الحاج خليل، صالح الصفدي، علي مرجان، عمر الاشوح، جميل يعقوب، فضيل يعقوب، فضل بلقيس، الدليل فيراوي، ركاد يعقوب، خليل الصفدي، محمد الصفدي، محمد سعيد الاشوح، صالح بلقيس، فتح الله جوهر، خالد الاشوح، توفيق احمد شاكر الجشي، محمد عارف المصري، عبد الله ركاد الجشي، عمر احمد شاكر الجشي، محمد جوهر ، الحاج درويش الخليل، محمود الحاج درويش الخليل، نور الهدى محمود مرعي...
تدمير القرية
في 21 أيار 1948 دخل عصابات الجيش الكابري وفي اليوم الثاني تم استكمال هدم جميع بيوت القرية. وكانت الغالبية الساحقة من أهل القرية قد اضطروا الى مغادرتها تحت وطأة القصف المتواصل وانسحاب جيش الانقاذ من المنطقة بأكملها. وفي مقابلة معه نشرتها الصحيفة المحلية لمدينة تل ابيب والمركز، "هعير" يوم 1992-5-6، قال دوف يرميا، آمر إحدى الوحدات التي دخلت القرية: "احتلت الكابري بدون معركة وهرب السكان كلهم تقريبًا". ويضيف: "امسك أحد جنود الفرقة (فرقة كرميلي) وأسمه يهودا ريشيف، (الذي بقي وشقيقه من الاحياء القلائل الذين نجوا من قافلة يحيعام) بعدد من الشبان الذين لم يهربوا من القرية ويبدو انهم كانون سبعة وامرهم بردم عدد من الحفر في الشارع، التي كانت حفرت لعرقلة الحركة، وبعد ذلك اوقفهم في صف واحد وأطلق النار عليهم من سلاح اوتوماتيكي فقتل بعضهم ونجح البعض الاخر في الهرب وهم جرحى". وأضاف يرميا: "ضابط الوحدة لم يبدِ أي رد فعل على الحادث لان ريشيف كان مقاتلا جديًا ولكونه من الناجين من قافلة يحيعام كانت له مكانة خاصة في الفرقة وقد وصل فيما بعد الى درجة نائب جنيرال. وقد يفسر هذا الحادث كانتقام"!!

على اراضي القرية المنكوبة وتحديدا في منطقة الظهرة التي تقع في اعلى القرية المنكوبة من الجهة الشمالية - الغربية اقامت العصابات الصهيونية كيبوتس كابري، تعاونية زراعة، امتدت على قسم كبير من اراضي القرية المهجرة وما زالت قائمة حتى يومنا هذا!! وعلى اراضي الكابري اقيمت مستوطنات: غعتون ومعونا وعين يعقوب ويحيعام ومعلوت فهي تابعة اما للكابري أو لقرية ترشيحا (آخر خريطة لممتلكات القرى وهي تلك التي صدرت أيام الانتداب، تدمج أراضي الكابري وترشيحا بعضها في بعض) وموشاف بن عامي كما ان البناء في مدينة نهريا امتد من الجهة الشرقية الى اراضي الكابري.
اما سكان الكابري عن بكرة ابيهم فنزحوا عن قريتهم الى مخيمات اللجوء القسري في لبنان وبالأساس الى مخيم برج البراجنة وقسم آخر الى سوريا. وفي احصاء اجري في العام 1998 وصل عدد أهالي الكابري في مختلف مواقع الشتات القسري الى أكثر من 38 ألف انسان وفي عام 2008 قدروا بـ(51621) نسمة ويبدو ان عددهم اليوم يربو عن 60 ألف نسمة.
صرخة وعمر جديد
ما رواه الضابط دوف يرميا يتسق مع القصة التي رواها لنا ابي عن ابن عمه ابراهيم خليل الدباجة (ابو خليل)، الذي التقى به صدفةً في كروم زيتون قرية دير القاسي، قرب قرية فسوطة العامرة بأهلها في الشمال، حيث خيم هناك مع عشرات العائلات المهجرة من مختلف القرى التي دخلتها العصابات الصهيونية في محطة اولى على طريق اللجوء الى لبنان.
قال والدي: كنت جالسًا مع أمك واخيك الكبير (كان طفلا لم يتجاوز السنة) تحت الزيتونة في دير القاسي وكانت هذه القرية لاتزال عامرة بأهلها، واذ بابن عمي ابراهيم يفاجئنا بطرحه السلام نهضت على الفور واحتضنته وتبادلنا القبل وهو يتردع. ثم سلم على أمك وقبل اخيك وضمه الى صدره وتمنى له طول العمر والمستقبل السعيد. وما ان جلسنا اذ به يطلب لفافة دخان ناولته الكيس وواصلت ما كنت منهمكا به، فرم المزيد من الدخان، واذ به يقول: ولّ يا خليل مش شيف حال ابن عمك من ساعة ما قعدت مش عارف الف السيجارة ايدي بترجف مش شيف باي حال انا؟! لف والدي السيجارة وناوله ايها سائلا خير يا ابن العم؟ وقف ابو خليل وكان يلبس سروالًا عربيًا ابيضًا له بحر أمسك ببحر سرواله وقال شوف يا خليل أثر الرصاص. ابي وصف ما رآه بان قطعة القماش هذه كانت مثل المنخل مخرذقة من كثرة الرصاص الذي إستهدفه فكل رصاصة تركت اثرًا اسودًا عليها. وعلى هذا الوصف صادقت الوالدة كذلك. وقالت أكثر من سبعين رصاصة خزقت بحر السروال.
تبسم ابي وقال بلهجة فيها مزيجا من الحزن والتفاؤل: الحمدلله على سلامتك. الله اعطك عمرًا جديدًا. والله يخليك تاج فوق رؤوسنا والمهم انك سالم. وبمثل هذه الدعوات رددت امي ايضًا. اما ابو خليل فقال: الحمد لله سالم ولم تمس جسدي اية رصاصة!! واستطرد ابي سائلا: شو صار يا ابن العم؟
رد ابو خليل، وهو أكبر من والدي بأكثر من 15 عامًا وكان قصير القامة ويجيد المبارزة بالعصا ولا منافس له في هذا المجال، قال: بعد ان أنهينا، انا ومجموعة من أهالي البلد، مهمة إصلاح الطريق العام التي ارغمنا عليها الجيش الصهيوني اخذونا الى حرش قريب وأمرونا بالوقف صفًا واحدًا بهدف إطلاق الرصاص علينا وبعد ان إصطفّينا وفيما ننتظر صدور الامر بإطلاق النار شعرت وكأن عصا غلظةً تكاد تهوي بكل قوة على رأسي فصرخت صرخة من قحف الرأس أجفلت الجنود وشتت أنتباههم وأرعدت أياديهم فغنمت الفرصة وآخرون غيري بالفرار بين الأشجار والرصاص يطاردنا من الخلف كزخ المطر. ازيز الرصاص وسرعة توارد الافكار المرعبة في مخيلتي ورغبتي في النجاة دب فيّ قوة خارقة لمضاعفة السرعة في الركض بتحايل بين جدوع الاشجار والقفز عن الاشواك والحفر الى ان نجوت بنفسي. واستطرد: لا أدري ما حل بالآخرين لأننا ركضنا في مسارات مختلفة وربما هذا ما ساهم في تشتت تركيز الجنود في إطلاق النار وساعدني وربما غيري في النجاة. وأضاف: بعد كل هذا الرعب والاجرام من غير المعقول البقاء هنا. لم يتبقَ امامي من سبيل الا مواصلة طريقي الى لبنان علّي ان امضي بعض الوقت براحة وسكينة قبل الرجوع الى البلد.
وهنا سأل ابو خليل والدي وشو معك انت يا خليل؟ اجاب ابي: انا، بعد ما استمعت لحديث خالي الحاج محمد عبد الرازق (من عمقا المهجرة) ليلة أمس، قررت العودة الى احدى البلدات التي لم تهجر حول قرية عمقا ربما جت او ابوسنان او يركا. ما قاله خالي كان مقنعًا نحن لا نعلم ما قد يوجهنا في لبنان وليس لنا معارف هناك. في حين معارفنا كثر في جت ويركا وابوسنان ويمكننا العيش عندهم مدة من الوقت الى ان تحل المشكلة ويعود كل واحد الى بلده.
تناول ابي وابن عمه ما تيسر من طعام وشربا القهوة بعدها تودعا وتفارق على أمل اللقاء القريب. ابو خليل غادر الى لبنان وابي مع عدد من العائلات القريبة من الحاج محمد عادوا باتجاه قرية جت المعروفية القريبة من عمقا والتي كانت علاقات جيرة حميمة تربط بين أهالي البلدين.
الهجيج في موسم الفريكة
في مقابلة صحفية لتوثيق نكبة شعبنا سأل الصحفي قريبي المرحوم نعمة صالح دباجة (ابو شاكر) وكان يسكن في مخيم برج البراجنة، هل تتذكر متي غادرتم الكابري؟
نعمة دباجة
فرد ابو شاكر: لا اذكر بالضبط. ما اذكره اني في ذلك اليوم، وكان عمره أنذاك 16 سنة، كنت ارعى البقر وفيما انا منهمكا في أكل الفريكة (ضمة من القمح الاخضر مشوية على النار) اذ بأبى يصيح بأعلى صوتٍ: روح يا نعمة بالبقر. يبدو ان ذلك كان في شهر أيار في أول موسم الحصيدة وشوي الفريكة. فالفلاح في ذلك الوقت كان يحدد الزمان حسب المواسم والفصول، موسم الحراث وموسم البدار وموسم الحصاد وموسم القطيف. اما الساعات فكان يحددها حسب مسار الشمس من شروقها وحتى غروبها.
سمعت كلام الوالد وسقت البقر وعددها 16، باتجاه العودة حيث كان يقف ابي. وما ان وصلت اليه قال: يبدو ان الاوضاع خطيرة وعلينا مغادرة البلد الى ترشيحا لنقيم بعض الوقت لدى اقربائنا هناك (كان قسم آخر من عائلة دباجة يعيش في ترشيحا وعلى أنقاض بيتهم المهجور والارض المحيطة به اقيم فيما بعد بنك مركنتيل القائم حتى اليوم). وأضاف: قد تتغير الأوضاع للأفضل خلال هذه الفترة ونعود الى ديارنا في الكابري.
وسأل الصحفي ابو شاكر هل أخذتم معكم شيئا من البيت؟ أجاب ابو شاكر: لم نخذ شيئا سوى البقر وايدي غسلتهم من شحبار الفريكة في ترشيحا. واستطرد ابو شاكر بعد عشرة أيام أمضيناها في ترشيحا قررنا المغادرة الى لبنان. لان الاوضاع ساءت أكثر، على عكس ما توقعه الوالد. غادرنا ترشيحا انا والدي ووالدتي واخوتي الاربعة وأختان أثنتان وقطيع البقر الى لبنان. عشنا سنتين في الجنوب، في حريص والهجرية والمنصوري من ثم انتقلنا الى برج البراجنة وعشنا هناك سبع سنوات في خيم من الشوادر. وكنا نحصل على مساعدة (إعاشة) 10 كيلو طحين للنفر ونصف كيلو سكر ونصف كيلو رز. تزوجت في المخيم في 1954 وخلفت 11 ولدا خمس بنات وستة صبيان ولدي، اليوم (2011)، 30 حفيدًا. وعائلتي موزعة حاليًا بين لبنان والسويد.
في العودة الى ترشيحا، تصاعد العدوان العسكري الصهيوني على البلدة ففي تشرين الأول 1948 حلقت طائرات صهيونية في الجهة الشمالية الغربية للقرية، وظن الأهالي أنها طائرات سورية أتت لدعم الثوار، فخاب ظنهم عندما قصفت هذه الطائرات مرابط مدفعية الثوار. وهذه المرة الاولى التي يتعرض فيها بلد لقصف طائرات وتلا ذلك قصف مكثف للمدفعية من جهات عدة بهدف دب الرعب بين الأهالي وحملهم على الهجيج، خاصة بعد لجوء اعداد كبيرة من العائلات المهجرة من القرى المجاورة اليها. فنزوح أكثر من 4000 ترشحاوي عن البلدة باتجاه لبنان ما هو الا تأكيد على ذلك. وهذا ما رواه لنا قريبنا ابن ترشيحا المرحوم عبد الهادي محمد دباجة (ابو محمد) عندما زارنا عن طريق السويد في تموز 1998. قال: عندما قصفت الطائرة ترشيحا احتميت أنا واختي صبحية، كنا آنذاك اطفالا، بجانب شجرة الخروب تلك مشيرًا بيده الى شجرة كانت تبعد عنا مئات الامتار وهي لا تزال قائمة حتى اليوم.
لنبدأ من الصفر
حديث ابو شاكر أعاد الى ذهني ما رواه أبي عند مغادرته مع أمي وأخي البكر بيتنا اذ قال: نبهتني أمك، لدى خروجي من الباب، ان اخذ الفراطة من جرور(درج) الخزانة. رددت عليها بصوت غاضبٍ مصحوبٍ بالحزن ما قيمة هذه القروش لما نتركه من مقتنيات اخرى في البيت يا حليمة!! مشيرا الى السقف الذي كان علّق فيه 88 كبشًا من الدخان اذ لم يمضٍ اسبوعا واحدا على شرائها من أحد المزارعين من بلدة أم الفرج. مضيفًا: لم انسَ بعد الثمن الذي دفعته مقال هذا الدخان، 88 ليرة فلسطينية وهذه ثروة كبيرة (راتب البوليس الشهري كان 7 ليرات والموظف 4 ليرات)، كلها راحت هباءً!! واستطرد بلهجة مواسية: لكن لا مكان للندم وخسارتنا قد تكون أقل من خسارة غيرنا.
وكم من مرة بدأت من الصفر في هذه الحياة!! ولنحاول هذه المرة ايضًا بإرادة وتصميم قويين.
كان والدي لحاما ويسكن في الحارة وسط قرية عمقا ويتردد على بتيه الاهالي والمعارف بهدف شراء اللحوم او الدخان المفروم او لمجرد الديوان وإرتشاف القهوة السادة التي كان يتقن تصنيعها او لطق الحنك وتمضية بعض من الوقت.
مسجد عمقا المهجرة
وعن رحلة العذاب والنزوح قال: خرجنا من بيتنا انا حملت الطفل وأمك حملت مدًا من الطحين وسرنا وسط الزيتون وما ان تجاوزنا زيتون عمقا اذ بدخان كثيف أسود يتصاعد في سماء القرية التي غادرناها بالتحديد في محيط بيتنا. كثافة الدخان وسواد لونه رسخا لدي اليقين بان الحريق في بيتنا وفي هذا شاطرتني أمك الرأي، مضيفة تبرير آخر وهو ان تكنة الكاز كانت لا تزال عند المدخل بعد ان عباءتها قبل يوم واحد من مغادرتنا البيت وان اكباش الدخان المعلقة في السقف احترقت وزادت من قوة اشتعال النيران وكثافة وسواد الدخان. واستطرد الوالد في الحديث وقال: هذا ربما يقطع علينا طريق العودة الى البيت لكن لا بأس فأننا سنرافق هذه الجموع.

على طريق النزوح عن الوطن
اذ كانت عشرات العائلات المهجرة من العديد من قرى شمال فلسطين تسير في ذات الطريق نحو الشمال. تجمعت حشود النازحين في كروم الزيتون في بلدة دير القاسي القريبة من الحدود مع لبنان. وهناك من تجاوز الحدود وهم الأكثرية وهناك من راجع حساباته وقرر العودة الى ربوع الوطن وهم قلة وعائلتي كنت من هذه القلة.
فاتني ان اذكر ان والدي ولد في الكابري في الوقت الذي كان والده يؤدي الخدمة العسكرية في تركيا. وعندما علمت جدتي بوفاة زوجها لدى فراره من التجنيد اضطرت للعودة الى بيت عائلتها في عمقا ومعها الطفل خليل حيث أمضى سنين طفولته الاولى في عمقا واشتغل في رعاية المواشي. وعندما بلغ سن الثانية عشرة انتقال الى مدينة عكا حيث كان يسكن عمه كمال دباجة في بناء شيده بالقرب من مباني شركة شتراوس اليوم وهذا البناء بقي قائما حتى اواخر القرن الماضي. وعندما وسعت الشركة ابنيتها جري تدمير هذا البناء لكن الاشجار السرو التي كانت تحيط بالبيت لاتزال شاهدة عين. عمل ابي في ملحمة رشيد عجينة في المدينة وتعلم هذه المهنة بإتقان. ومن ثم اشتغل في مطعم كان يملكه عمه قبالة "فبركة الشحاط" في عكا لبضع سنوات. لكن حياة المدينة لم تستهويه فعاد الى عمقا ابن 27 سنة. حيث اشترى بيتا وبدأ حياته كلحام في القرية. وبعد بضع سنوات تزوج ابنة خالته ورزقا بمحمد في عمقا وصلاح في جت وبهيجة وكمال وزكية وبهية في دنون وهدية وخير في ابوسنان. واليوم يبلغ عدد عائلة القاروط خليل 52 من ابناء وبنات واحفاد وابناء الاحفاد.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
فارس سرحان ابن الكابري كان زعيما معروفًا على نطاق المنطقة بكاملها ولا تعقد راية صلح بغيابه ويعود السبب في
ذلك الى نبل أخلاقه وحسن تصرفه ورباطة جأشه عند المصائب. يروى انه عندما زوج ابنه دعا الى عرسه أهل البلد والبلدان المجاورة، كما هي العادة لدى المقتدرين من الناس، وبضمن ذلك دعا معارفه من مدينة صفد الذين جاؤوا على خيولهم الاصيلة المخرخشة والمدندشة والمزينة سروجها بالجواهر والحلي. وما ان دخلوا البلد كان في استقبالهم مجموعة من الخيالة المحليين وجرى تبادل إطلاق نار في الهواء من الجانبين ابتهاجا باللقاء. وفي خضم إطلاق النار أصابت رصاصة طائشة العريس في رأسه واردته قتيلا. نقل الخبر، على وجه السرعة، الى والد العريس فارس سرحان. فطلب ابو العريس التكتم عن الخبر وتجهيز ابنه الأخر ليحل محل العريس. وتوجه الى ضيوفه الصفدية بطلب الانسحاب من العرس بدون إثارة اية ضجة او لفت انتباه أهالي البلدة والضيوف لتفادى أي عدوان قد يتعرضون له في حال انفضاح الامر. ونفذ الضيوف ما طلبة المعزب على أسرع وجه وبدون إثارة الربية في نفوس اهل البلد. واستمر العرس كيف كان مخططًا.
ومع مرور الايام توجه الصفدية الى فارس سرحان بطلب إجراء صلح وما كان من فارس سرحان الا ان وافق واتفق
معهم على كل إجراءات الصلح والموعد.
وفي اليوم المحدد وصل الى الكابري 50 خيالا من صفد ترافقهم قافلة مكونة من 50 جملا محملا بالهدايا. وكان في استقبالهم كل أهالي القرية وجموع غفيرة من القرى المجاورة وزعامات ووجهاء من المنطقة. وأقام فارس سرحان مأدبة صلح فاخرة على شرف الضيوف اذ نحر فيها 50 ذبيحة، حسب عدد الضيوف. واجتمع الضيوف والزعامات وأهل البلدة واهالي القرى المجاورة على هذه المأدبة. كما ان الخيول والجمال كانت لها حصة في التكريم، فبدل ان يقدموا لها الماء قدموا لها الشراب واطعموها بدل التبن الشعير. وانتهى هذا اللقاء التصالحي بمزيد من التقدير لكرم وسماحة المعزب والبلد المضيف. وأصبح فارس سرحان مضربا للمثل في الاصالة والنخوة والكرم ورباطة الجأش ودماثة الاخلاق.
وكما قال شاعرنا العربي الكبير ابو الطيب المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر أهل الكرم المكارم.
عوائل الكابري
من العوائل التي سكنت في الكابري: الصفدي، آل سرحان واتباعهم من العائلات، بلقيس، الجشي، الشيخ عيسى(السعدي)، الوعرية، الدباجة، حسين علي، الخليل، ياسين (من الغابسية)، الاشوح و المليجي، الشبطي، جوهر، الدهاك، اليشرطي، فرحة، يعقوب ( من طرعان)، طه، عركي، عكر، شاكر المحمد، مرعي، بدر (ينتمون لآل حمود من الشيخ داود)، شحادة، صبيح، العويتي، آل (زهرة ، زنبع، جنى) الاصل من الغابسية، مطر النحفاوي، آل عميري (من مصر)، سلامة، عاطف، الدليل، خميس، القاضي، خليفة، الحاج حسن، إبراهيم، العويسي، الحصري، حماد، عيد، أبو سعيد، قسومي، الحاج درويش، العبد، الشحيمي، أبو منهل، يوسف الحاج، مليحة، صالح، مصطفى الشيخ، زياد، عبد الرحمن، أبو علي، هاشم، صبحية، حسين، العلي، رافع، الحسني، ستر الله، الديراوي، السبع، عبد العال، السخنيني، الشامي، عميري، أغا، العربجي، المصري، راضي، آل حبيب ( انقرضت العائلة)، آل الانس البدوي (ترشيحا)، آل قدورة (ترشيحا)، آل دغيم، آل الناصر ( ترشيحا)، آل فيراوي، آل حجاج والسلعوس، عرب الهيب، عرب سويطات، عرب سويجيري حميرات...

لا نسيان ولا غفران
ما حل بشعبنا، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، من مآسٍ وجرائم وتهجير وتشريد واعتقال وإذلال لا يستوعبه العقل والمنطق البشري وهو عصي على النسيان. فمند نكبة 1948 وحتى طوفان الاقصى (حتى اليوم) قتلت اسرائيل قرابة 200 ألف فلسطيني في عشرات الحروب والحملات العدوانية وفي عشرات المذابح الموثقة التي نفذها الجيش والعصابات الصهيونية، وتم تهجير وتدمير 531 قرية ومدينة وتشريد وتهجير ما يربو عن 750 ألف فلسطيني عن الوطن (75% من ابناء شعبنا اليوم هم لاجئون مهجرون)، والامر لم يتوقف هنا. فالجرائم التي استهدفت شعبنا في الشتات وفي فلسطين 67 وبشكل خاص في غزة وفي اراضي 48 تواصلت على مدار الـسنوات الماضية منذ 1948 وحتى يومنا هذا بهدف القضاء على طموح شعبنا نحو التحرر والانعتاق. والمؤلم ان كل هذه الجرائم نفذت على مرأى ومسمع "العالم الديمقراطي"، الذي يذرف دموع التماسيح على حقوق الانسان، والعالم العربي من المحيط الى الخليج!!
وهنا لا بد من العودة على ما أكدناه دائما ان مأساة شعبنا الفلسطيني هي وليدة التحالف الثلاثي الدنس – الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية - وطالما ان هذا التحالف لا يزال قائما فلا أمل لشعبنا بتحقيق طموحاته وليس أمامه من طريق غير طريق الوحدة والتضحية والإصرار على تمسكه بحقوقه المشروعة والعادلة وتصعيد المواجهة الشعبية ضد الاحتلال من اجل التحرر والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس العربية. وهذا هو مضمون الرسالة التي حملتها مسيرات العودة الى عشرات البلدات الفلسطينية المهجرة على مر العقود الماضية وبضمنها مسيرة عشرات الألوف الى بلدة الكابري يوم 2 آذار 2017.

مسيرة العودة 2017
2017هذه المسيرات الجبارة، التي جرت سنة بعد سنة، تؤكد تمسك شعبنا المتجذر في الوطن وبكل فئاته بحقوقه المشروعة كباقي الشعوب في هذا العالم وهذا ما يبدد اوهام واحلام القادة الصهاينة بان الكبار يموتون والصغار سينسون.
هل صغار غزة، اليوم الذين ذاقوا أمّر صنوف العذاب والاذلال وعايشوا الحصار الاحتلالي الخانق، على مدى اكثر من عشرين سنة، سينسون جرائم اسرائيل من ابادة جماعة وتدمير وتشريد وتجويع وتعطيش واهانة لم يشهد التاريخ البشري مثيلا لها؟!

من صور العدوان الاخير على غزة
صغار غزة الذين عاصروا مثل هذه الجرائم قبل 20 سنة هم الذين يتصدون اليوم لهذا المحتل بكل بسالة وصمود، ساطرين بدمائهم آيات من البطولة والعزة، لم يشهد التاريخ مثيلا لها. يتصدون لأعتى جيش "الجيش الذي لا يقهر" المدعوم امريكيا سياسيا وعسكريًا ويحولون دون ان يحقق أي هدفٍ من أهداف عدوانه ومدونين بصمودهم وبسالتهم اسفارًا جديدة في التاريخ الانساني حول الصبر وتحمل المعاناة ورفض الاهانة والاقدام دفاعًا عن الكرامة الانسانية والتمسك بالحق في هذا العالم الظالم والمنافق. وهكذا هو الحال، وحتى أعظم، بالنسبة للبيئة الحضانة التي ترعرع فيها هؤلاء المقاومين. وعلى العالم وأصحاب القرار السياسي وعلى المتآمرين على حقوق شعبنا ان يعوا هذه الحقيقة بشكل جيد جدًا. وان شعبًا كهذا لن يفرط بحقوقه المشروعة وهو عصي عن الاستسلام ولا بد له من ان ينتصر في قادم الايام!


