في عام 1325 ميلادية، غادر شاب يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً مدينة طنجة المغربية قاصداً الحج إلى مكة المكرمة. لم يكن يعلم وقتها أنه لن يعود إلى وطنه إلا بعد ثلاثة وعشرين عاماً، وأنه سيكون قد قطع ما يزيد على مئة وعشرين ألف كيلومتر، وزار ما لا يقل عن أربعة وأربعين دولة بالحدود الحديثة. كان اسمه محمد بن عبد الله بن بطوطة، وكان مقدراً له أن يصبح أعظم رحّالة في تاريخ العالم الوسيط.
ما يجعل رحلة ابن بطوطة استثنائية ليس مجرد بُعدها الجغرافي، بل عمقها التوثيقي وثرائها الأنثروبولوجي. فقد لم يكن ابن بطوطة مجرد سائح يجمع الصور والذكريات، بل كان مراقباً نبيهاً يسجّل بدقة أنماط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات التي زارها، من مالي وسواحل أفريقيا الشرقية، إلى الهند والصين وجزر المالديف.
كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، المعروف بـ"رحلة ابن بطوطة"، يُعدّ اليوم مرجعاً تاريخياً لا غنى عنه. فهو يصف الخانات والطرق التجارية والموانئ وأسواق البهارات والذهب والعبيد، ويرسم صورة حية للعالم في القرن الرابع عشر الميلادي. ويكفيه فخراً أنه ترجم إلى أكثر من خمسين لغة، وظل مرجعاً للباحثين والمؤرخين عبر القرون.
غير أن ابن بطوطة لم يسلم من الانتقاد. فبعض المؤرخين شككوا في صحة بعض روايته، لا سيما ما يتعلق برحلاته إلى الصين وبعض المناطق النائية. ويُشير هؤلاء إلى تناقضات داخلية في النص، وغياب ذكره في السجلات الصينية المعاصرة. لكن حتى هؤلاء المشككين يُقرّون بأن الجزء الأكبر من روايته موثوق وذو قيمة تاريخية استثنائية.
الأكثر إثارةً في سيرة ابن بطوطة أنه كان رجلاً من عصره بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فهو يُعبّر أحياناً عن آراء وأحكام قد تبدو لنا اليوم متحيزة أو مغلوطة. لكن هذا لا يُقلل من قيمة إرثه، بل يجعله أكثر إنسانية وصدقاً، إذ نرى فيه إنساناً حقيقياً بتناقضاته وحدوده، لا بطلاً خرافياً معصوماً من الخطأ.
ولعل أبلغ ما يمكن قوله في حق ابن بطوطة هو أن رحلته لا تزال تُلهم رحّالة وكتّاباً وباحثين حتى يومنا هذا. فمنذ منتصف القرن العشرين، ظهر جيل من الرحّالة الغربيين الذين نهجوا نهجه وتتبعوا خطاه، ووجدوا في كتابه دليلاً موثوقاً حتى على مدن وطرق وعادات لا تزال تحمل بصمته.
في عصر الطائرات والأقمار الاصطناعية وخرائط جوجل، قد يبدو ما فعله ابن بطوطة عادياً. لكن أن تمشي وتركب وتسافر بالسفن الشراعية ثلاثة وعشرين عاماً، مستنداً فقط إلى عقلك وحظك الطيب وكرم الغرباء، ذلك إنجاز بشري من الطراز الأول، يستحق أن نتوقف عنده طويلاً ونحن نقرأه من شاشات هواتفنا الذكية.
