لا أقول ذلك مفاخرة، انطلاقا من عصبويّة قرويّة ضيقة، تحبس عقل المرء وما يمثّله من وعيٍ خلفَ سِياجات متحجرة، بل لتسجيل حقيقة انتماء، انتماء إلى مكان، له مكانة قدسية في نفسي، وإن حرمت دفء سمائه وعبق ترابه وعذوبة ماء بحيرته. ففيها، في قرية سمخ، وُلِدْتُ.

أتيت إلى الحياة، سنوات قليلة قبل الهجيج، عشت فيها مع أهلي في حيفا، حيث كان أبي، حسين إبراهيم مالك، يعمل موظفاً في سكة الحديد البريطانية. كبُرْتُ في كفرياسيف وكبُرَتْ معي النكبة، وتدافعَتْ خيبات الأمل المتكررة، أو ما أسماه بعضنا خيانات هذا الزمن، وعنى خيانات بعض ناسه.

كنا، أبي وزوجتاه وشقيقتي وأخواي وأنا، نسكن هانئين حينها في بيت مستأجر يقع قريباً من درج رئيس البلدية الأسبق، حسن شكري، في موقع يتوسّط حيّ المحطّة العربي وحيّ الهدار اليهودي في وسط الكرمل، في مدينة حيفا.

فأنا ولدتُ يوم 26 أيار 1942 في سمخ، إحدى قرى غور الأردن المطلّة على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، لكن طفولتي المبكرة قضيتها في حيفا.

وقد شاءت الأحداث الدموية في عام 1948 أن تسقط سمخ في أيدي القوّات اليهودية المهاجمة أياماً قليلة قبل سقوط حيفا. فهُجّرنا من حيفا، عبر البحر، إلى عكا شمالاً، ومن ثم إلى الجليل شرقاً، مروراً بالمكر فالبعنة ويركا، وصولاً إلى كفرياسيف، حيثُ قرّر والدي البقاء قريباً من أصدقاء يعرفهم من العمل في حيفا.

لم نعد من يومها إلى قريتنا وبيتنا في سمخ ولم نبقَ في حيفا. مُنِعْنا من العودة بالقوة وبالإخافة المُميتة، بمختلف القوانين والوسائل، أبسطها الحكم العسكري. بقينا لاجئين وغرباء في كفرياسيف، يعيش والدي حلمين ومأساتين في آن، غرسهما فينا نحن أولاده.

وطني الأول ووطني الثاني

في طرقات سمخ المتربة درجتُ طفلاً صغيراً، طفلاً راح يحبو ويتعلّم خطواته الأولى. سمخ مسقط رأسي، وإن أكن عرفتُ في طفولتي الواعية، قليلاً، مدينة حيفا. كبرت وأتممت دراستي الابتدائية والثانوية فيما صار وطني الثاني: كفرياسيف، التي أحسنت تربيتي كما أظن، ورعت شبابي، وأسهم مناخ ناسها التنويري العلماني والتقدمي في بلورة بدايات وعيي الاجتماعي والإنساني.

لكنها لم تنسني حبّي وحنيني إلى وطني الأول، الوطن الأصغر: سمخ. بل زادتني تعلّقاً بهذا الانتماء وألهبت مشاعري الوطنية منذ الطفولة. وكان العيش فيها، رغم جماليّاته، واقعاً "قسريّاً" فرضه الهجيج والترحيل القسري عن الوطن. فيغمرني شعور قوي، حتّى يومنا، أنني سأظلّ مديناً لكفرياسيف وناسها كثيراً. لكن حقيقةً، بقيت فيها غريباً أحنّ إلى سمخ.

وكم يبدو هزيلاً، ضالاً ومحزناً، بل مكلِّفاً، الاعتقاد بأن الزمن كفيل بأن يُنسي الناس أوطانهم الصغيرة أو الكبيرة. فانتمائي إلى مسقط رأسي ليس مكتسباً بفعل منطق القوة أو الشراء المخادع أو السلب القسري. حقّي في سمخ لا يبطله تقادم الزمن ولا حتّى موتي ولا هرب العاجز باسم العقلانية.

إسرائيل والمواطنة المفروضة

فإسرائيل لم تصر، يوماً، وطني الذي أشعر بالانتماء العفوي أو الواعي له، بل الواقع السياسي الذي قبلت به واعياً ومهزوماً، انطلاقاً من القبول بالواقع المفروض. أصبحتُ مُواطنها رغماً عنّي، فلم تكن وليدة طموحي الإنساني، الثقافي والسياسي.

وما يفرحني حقيقةً، رغم الانكسارات المتتالية والمريرة، أنني حين أنظر إلى ستين عاماً من الهجيج القسري، أرى الشيء الأساس والثابت في منطقتنا، وهو أنّ إسرائيل — وإن كسبت ظاهريّاً بعض النخب الحاكمة — لم ولن تنجح في إيجاد أي مرتكز ثابت ذي مصداقية يعترف بوجودها وبغطرستها على المدى البعيد.

أنا لا أستطيع القبول بالفصل الموهوم بين الدولة كمؤسسات وبين النظام الحاكم. فقد علمتني التجربة أنّ هذه المؤسسات، كالكنيست والشرطة والقضاء، تضفي وتشرعن وتحرس ما هو في الواقع "شرعية" أمر اغتصابي. ما من مصلحة إنسانية حقيقية وكريمة تربطني بهذه الدولة وإن كنتُ بقيتُ مواطناً فيها، فلأنَّ هنا بيتي، هنا ولدتُ وهنا كبرتُ وهنا أرضي وناسي وحلمي بعالم آخر.

تاريخ سمخ وذاكرتها

كانت سمخ مسكونةً في القديم، وهو ما تؤكده القبور والآثار الكثيرة المتناثرة في حواكيرها. لكنها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان يسكنها ناس كثيرون، عرب، ذوو أصول بدوية. وقد نزل فيها في سبعينيات القرن التاسع عشر أولاد سيدي يخلف الجزائريون واستقروا فيها. وجاء بعدهم أولاد حمولة المهناوي، التونسية–الجزائرية الأصول، ومنهم أمي.

بعد الاحتلال البريطاني رُسِمَت الحدود من جديد بين مناطق نفوذ الانتدابين الاستعماريين. وشيّدت في سمخ محطة للحجر الصحي ومحطة لبوليس الحدود، وطُوِّر العمل في سكة الحديد التي كانت تربط بين حيفا ومدينة درعا السورية مروراً بسمخ. فظهرت فيها الأسواق التجارية الكبيرة، وكانت سمخ ستصبح مدينة حدودية مزدهرة لولا الاحتلال الإسرائيلي في ربيع 1948، عام النكبة، الذي رحّل سكانها.

الزيارة وما بقي

في خريف السنة الماضية زارني ولدي الأصغر بلال وصادف أن كنتُ مدعوّاً من جمعية "السبيل" لأتحدث عن سمخ، فرافقني في الرحلة. كنت في أقصى السعادة إذ عُدنا يومها، بلال وأنا، إلى تراب سمخ، سمائها وعبق فضائها، لكن يا لحزننا: لم يبقَ فيها حجر على حجر يشهد على ما كان.

هدموا القرية وحوّلوها منتزهاً، وقام على مقربة من أنقاضها المُهَدَّمة كيبوتس "تصيمح". حين تعود بي الذاكرة إلى سمخ، أذكر بيت جدي المبني من طين، لكن الرحب والمضياف، المطلّ على البحيرة شمالاً وجنوباً على الشارع الرئيسي. وأذكر بيت أبي الذي شيّده من حجر أسود على مقربة من بيت جدي، ولا أزال أحتفظ بترخيص بنائه.

الوطن لا يُباع

أذكر لأكثر من مرة عرض ناس على أبي في الخمسينيات، حين كنا فقراء معدمين، أن يقايض ما كان له ولأمي من أرض في سمخ بأرض بديلة أو ببضع قروش، فأذكر أنّه كان يجيب: "لا أرض لنا في سمخ لنبادل بها، فما نملكه هو وطن".

سمخ هي وطن وليس مجرّد أرض. والناس تُنتزع منهم أوطانهم لكنّهم لا يُقايضون بها في سوق النخاسة — الوطن لا يُباع.

فمطلب حق العودة هو مطلب إنساني قبل السياسة وفوقها. ما أفظع أن يُحرم المرء عنوةً من حقه في الحياة في مسقط رأسه. هذا الحق ثابت ودائم، أما الدول فمؤسَّسات عابرة ومتغيرة. فسمخ هي إنسانيتي، التي كم أشعر وبألم أنها سُلِبت مني طيلة عمري، افتقدتها لكنني لم أنسها. إنّها أرض ووطن ومسقط رأس، وهي فوق كل هذا إنسانها وناسها.