في الثلاثين من أغسطس 2006، رحل عن عالمنا رجل غيّر وجه الرواية العربية إلى الأبد. نجيب محفوظ لم يكن مجرد روائي مصري، بل كان مدرسة ومحطة ومرجعاً ومنارة. وبرحيله في التاسعة والتسعين من عمره، طُويت صفحة من أعرق صفحات الأدب العربي الحديث.
جاء محفوظ إلى الرواية في وقت كانت فيها لا تزال تُحاول أن تثبت شرعيتها كجنس أدبي في ثقافة كانت تحترم الشعر أكثر من أي شيء آخر. وبأعمال كـ"زقاق المدق" و"ثلاثية القاهرة" و"الحرافيش"، أعطى الرواية العربية مكانة لم تكن تحلم بها، وأثبت أن هذا الفن قادر على احتواء الإنسان والتاريخ والفلسفة في نفس الوقت.
ما يجعل محفوظ خالداً ليس فقط موهبته الاستثنائية، بل طبيعة موضوعاته. فهو كتب عن القاهرة لكنه كتب في الحقيقة عن كل مدينة عربية، عن الفقر والأمل والظلم والحب والموت والسياسة والدين. وهذه مواضيع لا تبيد مهما مرّت عليها السنون.
حين حصل محفوظ على جائزة نوبل عام 1988، أعلن العالم ما كان الأدباء العرب يعرفونه منذ سنوات: أن الرواية العربية بلغت مستوى عالمياً حقيقياً. وقد أسهم الفوز بالجائزة في ترجمة أعماله إلى عشرات اللغات، وإطلاع العالم على عوالمه القاهرية الغنية.
لكن محفوظ لم يسلم من الجدل. رواية "أولاد حارتنا" أثارت عاصفة من الانتقادات الدينية، وأُدرجت على قوائم الكتب الممنوعة في مصر لعقود. وفي عام 1994، تعرّض لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة لكنها تركت أثرها على صحته في سنواته الأخيرة. رجل عاش بالكلمة وكاد يموت بسببها.
اليوم، ومع الجيل الجديد من القراء العرب، تُكتشف أعمال محفوظ من جديد. مسلسلات مأخوذة عن رواياته، ونقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومجموعات قراءة تُعيد زيارة ثلاثيته القاهرية بعيون قرن الحادي والعشرين. والمُدهش أن هذه الأعمال لا تبدو عتيقة ولا غريبة، بل تتحدث إلى قراء اليوم بنفس الصدق والعمق.
إرث نجيب محفوظ ليس مجرد مجموعة من الروايات، بل هو نموذج للكاتب الذي يُؤمن بأن الأدب الحقيقي ليس للمثقفين وحدهم، بل لكل إنسان يتطلع إلى فهم نفسه والعالم من حوله. في هذا المعنى، فإن نجيب محفوظ رحل لكنه لم يغب.
