يقول الإيطاليون في مثلهم الشهير: "المترجم خائن". وهم محقون جزئياً، فكل ترجمة هي في آخر المطاف خيانة لشيء ما في النص الأصلي. السؤال ليس إذن هل تخون الترجمة، بل ماذا تخون وكيف ولصالح ماذا؟
حين ترجم نجيب محفوظ إلى الإنجليزية، واجه المترجمون معضلة حقيقية: كيف تنقل حوارات شخصيات الحارة القاهرية الشعبية بلغتها العامية المصرية الغنية إلى إنجليزية سليمة؟ هل تستخدم العامية الإنجليزية وتُخاطر بفقدان الطابع العربي؟ أم تستخدم الفصحى وتُخاطر بفقدان نبضها الشعبي؟ لا يوجد جواب مثالي، وكل ترجمة هي قرار.
المشكلة الأكبر في ترجمة الأدب العربي تحديداً هي غياب ما يمكن تسميته بـ"البنية التحتية الثقافية" في اللغة الهدف. فحين يُشير الكاتب العربي إلى "الضحى" أو "العصر" أو "حضرة الشيخ" أو "أبو جهل"، فهو يستحضر شبكة رهيبة من الدلالات الدينية والاجتماعية والتاريخية. نقل هذه الشبكة بالكاملة إلى لغة أخرى شبه مستحيل.
لعل من أبرز الإشكاليات في ترجمة القرآن الكريم أن العلماء يؤكدون أن ما نقله المترجمون ليس القرآن نفسه بل "معاني القرآن"، إذ يُعتبر الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن جزءاً لا يتجزأ من قدسيته وهويته. هذه الحالة القصوى تُلقي ضوءاً كثيفاً على الإشكالية الجوهرية في كل ترجمة أدبية: النص المُترجم هو دائماً نص جديد لا مجرد صدى للنص الأصلي.
ومع ذلك، فإن الترجمة ليست مجرد شرٍّ لا بُدّ منه. بالترجمة وُصلت الحضارات بعضها ببعض. بالترجمة انتقل علم اليونانيين إلى العرب ثم من العرب إلى الغرب. وبالترجمة عرف العالم ألف ليلة وليلة ورباعيات الخيام وألف شمس مشرقة. الترجمة الجيدة إبداع مضاف لا نقل ميكانيكي.
في ظل موجة الذكاء الاصطناعي وأدوات الترجمة الآلية، تبرز تساؤلات جديدة: هل ستستطيع الآلة أن تُترجم الإيقاع الداخلي لقصيدة أو الدفء الشعبي لرواية؟ كل المؤشرات تقول لا، على الأقل في المدى المنظور. والسبب بسيط: الترجمة الأدبية الجيدة تتطلب إنساناً يحيا بين ثقافتين، لا آلة تُعالج بيانات.
خاتمة القول: الترجمة الأدبية هي أشجع أشكال الكتابة لأنها تُقرّ منذ البداية بأنها خيانة، ثم تمضي قُدُماً لتُثبت أن هذه الخيانة يمكن أن تكون جميلة ومُفيدة وضرورية.